كانت فكرة حزب جبهة العمل الاسلامي في بداية التسعينات مبادرة ذكية من اصحابها لتوسيع دائرة العمل الاسلامي واعطاء المستفيدين غير الراغبين بالعمل ضمن اطار الجماعة فرصة للعمل تحت مظلة قانون الاحزاب، ورأى فيها البعض محاولة لبناء جهاز متخصص بالعمل السياسي للجماعة يقوم على حمل الاعباء الميدانية، وذهب البعض الى حد التفكير بصوت مرتفع بأن يتم اقتطاع العمل السياسي ليكون من واجبات الحزب، وان تحتفظ الجماعة بنقائها الدعوي، وان لا تتلوث بعوادم العمل السياسي والحزبي، وكان هذا التفكير لا يخلو من نوايا او نزعات لاقتسام العمل بين الجماعة والحزب، وان يكون لكل منهما تخصص، وان تتحول الجماعة الى جسم للعلماء والدعاة والتربويين.
لكننا اليوم وبعد حوالي (15) عاما من تجربة الحزب تبدو كل تلك الامور لم تتحقق. فالجماعة حافظت باقتدار على مرجعيتها السياسية والتنظيمية والدعوية للعمل الاسلامي، والحزب لم ينجح في ان يكون جبهة بل ظل للجماعة وقسم من اقسامها. واثبتت الجماعة انها ليست بحاجة للحزب وان تاريخها وحضورها وتركيبتها جعلت من اي كيان اخر حتى وان كان افرازا لها مجرد اداة سياسية كما كانت لها ادوات اجتماعية وخيرية.
بل ان الحزب تحمله الجماعة تنظيميا واداريا، والنشاط السياسي الذي لا تحشد له الجماعة كوادرها لا يختلف عن اي عمل يقوم به اي حزب، ورغم كل ما كان يقال عن استقلال الحزب في بدايات عمله الا ان الامر كان واضحا. فالآن لم يعد سر، بل تكتبه الصحف، بأن قيادة الجماعة هي التي تعين امين عام الحزب، وقيادة الجماعة هي التي تقرر المشاركة او المقاطعة للانتخابات النيابية، وتقرر منح الثقة او حجبها، والمشاركة او عدمها في اي حكومة. واليوم والجميع قد تابع موقف الحركة من الاستمرار او الانسحاب من مجلس النواب, وتداعيات الازمة الاخيرة فإن كل التصريحات والاخبار التي تكتبها الصحف تقول ان القرارمصدره مجلس شورى الجماعة الهيئة القيادية العليا للجماعة.
ويتذكر الجميع قرار مقاطعة الانتخابات النيابية عام 1997 حيث كان قرار الجماعة. وفي الازمة الحالية التي بدأت في حزيران الماضي كان العنوان في المركز العام للجماعة، واللقاءات مع الجهات الرسمية تقودها الجماعة، والمفارقة ان مجلس شورى الحزب ورغم كل التداعيات واعتقال النواب والمحاكمة والتطورات لم يجتمع ولم يدع لذلك الا بعد ثلاثة شهور من بدء الازمة، وهذا امر طبيعي لأن من يدير العلاقة هو قيادة الجماعة صاحبة الولاية والعنوان الحقيقي.
الجماعة لم تكن بحاجة للحزب عندما انشأته، وليست بحاجة له الان، لأنها ارادته لتطوير بعض جوانب عملها، لا ليجلب لها الشرعية والمشروعية، فهي تحمل ترخيصا ومشروعية قانونية لا تحتاج معها الى الاختباء خلف لافتة الحزب وقانون الاحزاب، ولها شرعية في الشارع والعمل السياسي عبر اكثر من خمسين عاما، وشاركت في البرلمان عدة مرات، وفي الحكومات ايضا. وحتى بعد عام 1989 فقد خاضت الجماعة الانتخابات بقائمة تحمل اسمها وكان لها كتلة برلمانية باسمها، وشاركت بوزراء في حكومة مضر بدران باسمها، وإلى اليوم فالجماعة هي التي تختار مرشحيها اي مرشحي الحزب وتقرر مفاصل المقاطعة والمشاركة والحجب والمنح والانسحاب والاستمرار.
تجارب اخوانية اخرى كانت فكرة الحزب مخرجا للعمل الاسلامي؛ ففي مصر ما زال الاخوان يسعون للحصول على ترخيص لحزب للحصول على مشروعية قانونية لجماعة ثم حظرها منذ عام 1954، جماعة لها شرعية في الشارع لكنها تبحث مشروعية قانونية، وفي تونس والجزائر مثلا اختفى اسم الاخوان واصبح العنوان حزبيا في حركتي النهضة ومجتمع السلم، وفي فلسطين ذابت الجماعة تدريجيا داخل حركة حماس بعدما انشأت الجماعة البنية التحتية لحركة حماس، لكن خصوصية ساحة فلسطين واولوية المقاومة فرضت الشكل الجديد.
وفي دول اخرى لا يسمع اسم الجماعة او الحزب بحكم الملاحقة والحظر، وهنالك دول لا تسمع فيها مباشرة باسم الاخوان لكنهم عملوا تحت اسماء اخرى مثل الجماعة الاسلامية، اي ان التجارب مختلفة لكن التجربة الاردنية فريدة وتعود الى حرية النشاط والعمل التي حظيت بها الجماعة، فمارست تنويعا في اللافتات السياسية، وكانت فكرة الحزب ليس بحثا عن المشروعية القانونية او اسما بديلا عن الاخوان، وانما توسيعا للاطر والهيئات، ومحاولة لاستقطاب المستقلين.
في المحصلة فإن الحزب وسيلة، وربما مرحلة سياسية وتنظيمية. فالجماعة تحمل الحزب وتخدمه وتقدم له الشرعية الشعبية والغطاء الدعوي والكوادر والهيبة لدى الدولة، وحافظت الجماعة على كونها المظلة والمرجعية، ولم تتم هجرة او تهجير اي من صلاحياتها الى الحزب، إلا على سبيل الاعمال الاجرائية من علاقة مع احزاب المعارضة وممارسة بعض النشاطات، لكن الجماعة حافظت حتى على اصدار البيانات والمواقف وتنظيم الفعاليات المختلفة، أما غير ذلك فكان يعني تجاوزا على المفهوم الشمولي للجماعة بأنها حركة سياسية ودعوية وعمل خيري.
الجماعة ليست بحاجة للحزب الا بمقدار حاجة اي جسم الى احدى آلياته او اقسامه، وهو فكرة خاضعة للتقييم على اساس الارباح والخسائر، ومقدار ما يقدم للعمل الاسلامي اي ان لا يتحول عبئا سياسيا او بديلا او عنوانا رئيسا في نظر البعض. فالقيادة والقرار والمرجعية لدى قيادة الجماعة، ولا يغير من هذا اي اكسسوارات والقاب او زحمة المواعيد، والحق في اصدار تصريحات.
عندما يتحول الحزب الى بؤر خلاف واختلاف وعبء على استقرار الجماعة فإنه يفقد احد مبررات وجوده.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية