عندما اراد مرشد الثورة الايرانية، علي خامئني، شتم الاحتلال الاميركي والبريطاني للعراق وانتقاده، اصدر حكما نادرا في الموضوعية، بأن قال قبل يومين: انه حتى في عهد صدام حسين لم تكن هنالك مشكلات طائفية بين السنة والشيعة! اي ان العراق كان موحدا، وخاليا من الطائفية، لكن الاحتلال الاميركي والبريطاني هو الذي اشعل نيرانها.
وهذا الحكم من مرشد الدولة الايرانية يكون مكتملا عندما لا يوجه النقد فقط الى الاحتلال الاميركي البريطاني، بل يحمل المسؤولية أيضا لكل طرف تعامل مع العراق على اساس انه ساحة مكتسبات.
اميركا وجنودها المحتلون ليسوا هم فقط من اشعلوا نار الطائفية، فهناك ايضا التنظيمات والميليشيات المسلحة التي تمولها طهران، والتي تسمى "فرق الموت"، بما فيها تلك المندمجة في اجهزة وزارة الداخلية، والتي اكتشف العراقيون ان لها سجونا تمارس فيها التعذيب! وكذلك مجموعات كبيرة من الشرطة تمارس القتل والتصفية للعرب السنة! حتى ان الجيش العراقي قام، قبل فترة وجيزة، بعزل وحدة من الشرطة العراقية لأنها كانت تقوم بعمليات القتل الطائفي.
اميركا فتحت ابواب الطائفية، واستقطبت البعض، وقدمت لهم الامتيازات والاعطيات السياسية، واعتبرت فئة هي الأكثرية. كما استغلت روح الثأر السياسي والطائفي الذي كان مزروعا لدى دول وجماعات وميليشيات، فحولتهم الى ادوات مساندة للاحتلال. وقد شعرت هذه الجهات ان علاقتها العضوية مع قوات الاحتلال تمكنها من فعل ما تشاء، بما في ذلك تغيير الخريطة السكانية لبعض المناطق، وصولا الى حلم تحويل العراق الى امتداد سياسي وطائفي لدول اخرى.
من زرع الطائفية هو من وزع المناصب السياسية على اساس سنة وشيعة واكراد، وصنع واقعا توزعت فيه كل مفردات العراق، من احزاب وكتل نيابية وفضائيات وقوائم انتخابية، الى سنة وشيعة! ويتحمل المسؤولية من رعى وسهل وعمل بشكل سري وعلني على تهجير الآلاف، وربما عشرات الالاف او مئاتها من دولة مجاورة، حملوا -تزويرا او سرقة او استغلالا للفوضى- هويات الجنسية العراقية، سعيا إلى دعم مزاعم اغلبية سكانية، وتحويل هذا التجنيس غير الشرعي الى اداة سياسية وطائفية.
الطائفيون هم من يقفون وراء حملات القتل الموجه الذي يحمل عنوان "الجثث المجهولة"، فلا يمر اسبوع دون ظهور عشرات الجثث المجهولة متناثرة في الشوارع والازقة، لاشخاص غير مجهولين. لكنها حرب تطهير طائفي، واستيلاء على هويات شخصية لاستعمالها، او لتعزيز عمليات التهجير الطائفي التي تتزايد، والتي تهدف الى تفريغ بعض المناطق من سكانها من غير طائفة القتلة.
الطائفيون هم الذين قاتلت ميليشياتهم مع القوات الاميركية المحتلة، وحاصرت مدن العرب السنة في الفلوجة وغيرها، ومارسوا التصفية والقتل بحق المدنيين والاطفال بحجة انها مناطق لايواء الارهابيين، واستغلوا حكاية الارهاب، كما يفهمه الاميركيون، للثأر الطائفي، وتشريد الناس وتدمير البيوت.
الطائفيون، دولا ومجموعات واحتلالا، هم الذين يخلطون بشكل متعمد بين المقاومة العراقية النظيفة وبين مجموعات تمارس القتل العشوائي، وتفجير الشوارع، وقتل المدنيين، وذلك للتغطية على الخطيئة الكبرى بمساندة الاحتلال، والعمل تحت ظله، وكأنهم يقولون ان المقاومة والارهاب شيء واحد، وان الوقوف في خندق اميركا هو حب للعراق!
اذا كان مرشد ايران ينتقد اميركا وبريطانيا لأنهما زرعتا الطائفية، فإن هذا نقد متأخر، وهو جزء من ادوات ايران في ادارة ملفها النووي. اما الحريص على العراق، فيمكنه فعل الكثير. فأميركا ليست شريرة عندما تحارب ايران فحسب، بل هي كذلك أيضا حين تحتل العراق، وتقوض الدولة العربية العراقية، وتنتهك مقدراته. فأميركا وبريطانيا هما دولتا احتلال لكن ليس بشكل انتقائي؛ فأميركا ليست صديقا وحليفا عمليا وتحت الطاولة ضد طالبان والعراق، وعدو غادر حين تشتد معركة الملف النووي او غيرها من الملفات الاقليمية!
حينما ترضى دول وميليشيات وجيش احتلال بإقامة نظام سياسي عراقي على اساس طائفي، فإن عليها توقع ما يجري. والعراقيون الشرفاء من سنة وشيعة موجودون، لكن ليسوا بمواصفات اميركا او طهران او لندن.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية