تتوازى، مع الصعود الملحوظ للحركات الإسلامية خلال السنوات الأخيرة، أزماتٌ ومشكلاتٌ كبرى في العديد من الدول العربية. وإذا كان هنالك اليوم نموذجان ماثلان أمام الحركات الإسلامية السلمية هما نموذج العدالة البراغماتي ونموذج حماس المسلّح، فإنّ الظروف السياسية المختلفة، في باقي الدول العربية، تفرضُ أسئلةً وجودية ومصيرية على الإسلاميين؛ فاستنساخ تجربتي حزب العدالة أو حماس غير ممكن؛ فلا اللعبة السياسية في الدول العربية تسمح بالتعددية ووصول الإسلاميين إلى السلطة، ولا العمل المسلح مجُدٍ في سياق قوة الأجهزة الأمنية والعسكرية وعدم وجود قاعدة اجتماعية داعمة حقيقية لهذه الحركات يمكن أن تكون فاعلة في أية مواجهة ممكنة مع السلطات.
الإسلاميون عالقون في منتصف الطريق، ضمن حلقة مفرغة، ولعبة سياسية مغلقة، لا تتحرك بهم إلى الأمام قيد خطوة واحدة. أمّا الشعبية التي يمتلكونها ففي مَتنِها الحقيقي لا تقوم على البرنامج السياسي ولا الكفاءة الذاتية إنما على أصول أخرى منها: العاطفة الدينية، الاحتجاج على فساد الحكومات والنظم وبؤس سياساتها، غياب الوسط السياسي الحاضن الذي يُشكِّل مخرجاً من ثنائية (النظم- الإسلاميين).
في الأثناء؛ تعكف جماعة الإخوان المسلمين في مصر على صوغ الملامح الأخيرة من برنامج حزبها السياسي الجديد، وثمة خلافات شديدة بين الحرس القديم والتيار الإصلاحي حول قضايا مرتبطة بالمرأة والأقليات الدينية وحقوقها ومعاهدة السلام مع إسرائيل. هذه الخلافات بمثابة عملية "شد عكسي" أخرى داخل جماعة الإخوان، التي تُمثِّل الطيف الأكبر من الإسلام السياسي (السلمي) في العالم العربي، تُعيق تقدُّمَها إلى الأمام وقدرتها على إحداث قفزات قد تساهم في إحداث اختراق للجمود السياسي الحالي.
حالة التكلس السياسي في الوضع الراهن ولّدت جدلاً كبيراً وحقيقياً داخل النخب الإسلامية، بخاصة من هم خارج الأطر التنظيمية للحركات الإسلامية. بدأ الجدل الجديد مع مقال للدكتور عبد الله النفيسي، في مجلة المنار الجديد قبل شهور، طالب فيه جماعة الإخوان المصرية بالتفكير بالتجربة القَطَرية التي دفعت أبناء الجماعة إلى الإعلان عن حلّها لعدم جدواها في المجتمع القطري، ثمّ صدر كتابٌ جديد لفريد الأنصاري، من القيادات الإسلامية في المغرب، بعنوان "الأخطاء الستة للحركة الإسلامية في المغرب"، يحمِلُ فيه الأنصاري على المبالغة في تسييس الدين على حساب وظيفته ودوره الأخلاقي والاجتماعي والثقافي.
لكن الجدل وصل ذروته عندما تبنّى د. محمد سليم العوا - وهو مفكر إسلامي بارز قريب من جماعة الإخوان المسلمين، في حواره مع شبكة الإسلام أون لاين- دعوة جماعة الإخوان في مصر إلى التخلي عن العمل السياسي والتفرغ إلى العمل الدعوي والاجتماعي والثقافي والتنموي، وهي دعوة أثارت جدلاً واسعاً داخل مصر وخارجها، وقد تولّى د. عصام العريان الردّ عليه بالتأكيد المعتاد، لدى جماعة الإخوان، على أهمية العمل السياسي في سياق المشروع الشمولي للجماعة. ومن الواضح أنّ دعوة العوّا، كما الحال سابقاً بدعوة النفيسي، مرّت مرور الكرام دون أن يُفكّر فيها قادة الجماعة أو يدرسونها دراسةً استراتيجيةً عميقة، لا ضير أن يصلوا بعد ذلك إلى الرد على تلك الدعوة، لكن بعد التأمل والتداول لا قبل ذلك!
دعوة د. العوا تتضمن قراءةً ذكيةً وعميقة، لا تتناقض مع شمولية الإسلام، كما ذهب العريان، فالإسلام ليس محصوراً في عمل جماعة الإخوان، لكنّها تُركز على الأوّليات الحضارية والاجتماعية والوطنية، وتحاول الخروج من حالة الاستقطاب الثنائي التي عطّلت المسار الإصلاحي في العالم العربي، ووفّرت ذرائع للنظم بتغليب الأمني على السياسي.
يرى العوّا أنّ مصر في حالة انهيارٍ شعبي خطرة، وتحتاج إلى قوة الإخوان في المجال التنموي والحضاري والاجتماعي، بعيداً عن مناخ الصراع مع السلطة الذي يدفع بالإخوان إلى السجون والمعتقلات واستنزاف الطاقات، بدلاً من تفعيل دورهم في إنقاذ الوضع العام في مصر. يقول العوّا: "ليست مقاومة الظلم والاستبداد مقصورة أن ترشح نفسك لانتخابات مجلس الشعب ومجلس الشورى.. أنت إذا ربيت الناس، واشتغلت في محو الأمية، وفي تنظيف الشوارع وفي الرعاية الصحية، وفي الرعاية التربوية.. أنت بداخلك تحيي الأمة من جديد".
في سجاله مع العوّا يرى العريان أنّ الأول انطلق من خوفه على الإخوان من الأزمة الحالية الكبيرة ومن العودة إلى السجون. وربما هذا صحيح، لكن ألاّ يفكر الإخوان حقّاً بالخروج من هذه الدائرة، ولماذا يعودون إلى السجون، مجّاناً، وفيهم العلماء والمثقفون والأطباء، الذين يمكن أن يؤدوا دوراً نهضوياً وحضارياً؟! ومع ذلك يؤكد العوا أنّ هذا ليس هو الهاجس الأساسي بل الخوف من اختصار المشروع الاجتماعي والحضاري والنهضوي للإسلام في سياق صراع سلطوي، ما يؤدي إلى تقزيم الدور الثوري المطلوب للإسلام في الوعي الجماهيري، وهي وظيفة حقيقة تتجاوز اللعبة السياسية الصغيرة إلى عمق السياسة الحقيقي، إذ يقول العوّا: "أنت إذا ربيت الناس تمارس سياسة، وإذا نشأت على الأمانة والصدق تمارس سياسة،.. العمل السياسي ليس دائماً دخول الانتخابات.. إذا فقدت التربية الصحيحة لن ينفعك البرلمان شيئاً.. أنا لست ضد البرلمان، لكنني مع البرلمان المُنتج.. فالإخوان لهم الآن 88 نائباً ماذا فعلنا بهم نحن كشعب مسلم؟! لم نستطع أن نُحقق شيئاً.. فهذا العمل السياسي قد أثبت في رأيي عدم جدواه..".
من الواضح أنّ العوّا بدعوته، هذه، يريد العودة بالنشاط والفعالية الإسلامية من سياق الصراع الحزبي السياسي إلى آفاق العمل النهضوي- التجديدي، أي مدرسة الإصلاحيين الآوائل محمد عبده ورشيد رضا وعلال الفاسي ومالك بن نبي وابن باديس، تلك المدرسة التي أحدثت الحركات الإسلامية معها قطيعةًِ كاملة فيما بعد.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد