جدل سياسي حول تأجيل الانتخابات النيابية المفترض اجراؤها دستوريا في حزيران القادم. أصل هذا الجدل تسريبات بان بعض الاوساط الرسمية تضغط باتجاه تأجيل الانتخابات، والتمديد للمجلس الحالي. ومن الواضح ان هناك رفضا سياسيا واسعا لهذا التوجه، وان مبرراته ضعيفة وغير مقنعة، وتستند الى مخاوف وهمية تتعلق بالظروف الاقليمية، ونتائج الانتخابات. وهذه المبررات حتى لو قبلها كل الناس، فسيبقى سؤال كبير امام اصحاب الفكر المتردد: ماذا لو اجلنا الانتخابات عامين، فهل هناك ضمانات بان تخرج المنطقة من مشكلاتها الى الاستقرار والامان؟ وهل ستتغير المعادلة الداخلية؟ ام هي منهجية تفكير تخشى دائما من التعامل مع الناس وخياراتهم، وتتعامل مع المجموعات الصغيرة، واجتماعات الغرف المغلقة؟
العديد من الكتابات والحوارات ناقشت الاسباب والمبررات، لكن ما يعنينا الان هو دلالات هذا الجدل الذي لم يأت من فراغ، بل يستند الى مواقف تؤمن بها بعض المجموعات في دوائر صنع القرار. واهم هذه الدلالات ان هنالك "هشاشة عظام" في بنية العمل السياسي الرسمي؛ إذ إن مجرد فتح الآذان بشكل جاد لمثل هذه الافكار والتحريضات يعني وجود خلل، لان الاصل ان الدولة متماسكة وقوية مستقرة، وان مؤسساتها الدستورية الهامة ليست خاضعة للاستبعاد نتيجة تحريض سياسي من مجموعة او اشخاص.
والخطورة ان كل شيء يخضع للنقاش ويتحول الى خيار حقيقي، حتى وان كان على حساب صورة الدولة وهيبتها، والالتزام بالمواعيد والاستحقاقات الدستورية. أما الاخطر فهو ان مثل هذه المدارس في التفكير تتعامل مع مبدأ الحفاظ على المواعيد والمؤسسات الدستورية مثلما تتعامل مع اجتماع لمجلس ادارة، او موعد لجنة فنية، وهذا ناتج عن ضعف الثقافة السياسية، وادراك اساسيات ادارة المفاصل، ولهذا يكون اجراء الانتخابات أمرا عاديا ثم "يقترح!" البعض فكرة التأجيل، وكأننا نخوض حربا، او كأن لدينا ملفا نوويا نخاصم عليه العالم ونحتاج الى ان نعيش حالة طوارئ!
قبل اسابيع عقد ملتقى كلنا الاردن، الذي كان جوهره وضع أولويات للدولة تدلل على رؤى واضحة للمستقبل، فهل من المنطق بعد ذلك ان يطرح بعضهم، ربما من المتحمسين للأولويات، فكرة تأجيل الانتخابات، وبعث حالة من القلق، وارسال رسالة للاردنيين ولمن حولنا بأننا دولة تخشى من كل شيء، وتفترض دائما انها خائفة وقلقة ولا تستطيع الحفاظ على مساراتها لان الآخرين مضطربون؟!
فكرة تأجيل الانتخابات تتناقض مع الرسالة التي أرادها ملتقى كلنا الاردن، وتتناقض مع قناعات تعمل الدولة على تأسيسها؛ بأننا واحة الامن والاستقرار، وان لدينا ما ليس لدى الاخرين من توازن وقوة مؤسسات وامان؛ فهل من المعقول ان نقول اننا دولة مستقرة بينما يرتعد بعضنا من فكرة الانتخابات، فيما من نقول اننا ندعم مسيرتهم في البحث عن السيادة والامن في فلسطين والعراق يذهبون نحو الانتخابات؟!
هناك نخب سياسية ترى في العملية السياسية القائمة على الانتخابات مرحلة طارئة، وهؤلاء يعتقدون ان التعيين هو الطريق الوحيدة، واقرب خياراتهم تعطيل المؤسسات بسبب او من دون سبب. وهناك نخب تعرف ان وزنها في المسارات الديمقراطية قليل، وان العمل داخل مجموعات صغيرة او كولسات سياسية هو ما يحفظ لها قوتها ونفوذها، وهذه المجموعات لا تقوى على مواجهة الناس، لان في داخلها قناعة بان شرعيتها تصنعها وسائل لا علاقة لها بالناس او بالعمل السياسي الدستوري. وهناك اشخاص لا يؤمنون بأي انتخابات، وهم مكرهون على الحديث عن الديمقراطية من باب مجاراة الواقع وليس القناعة، ولو كان الامر بأيديهم لاقترحوا الغاء انتخاب ملكة جمال العالم، والتمديد لمن هي موجودة!
تبدو الحكومة غير واضحة المعالم! وحتى تصريح وزير التنمية السياسية بان الانتخابات في موعدها يرافقه اشارات من الناطق الرسمي بان كل الخيارات متاحة، فمن يصدق الناس، فكرة الخيارات ام التأكيد على الموعد؟ والجواب ان الناس تفترض دائما في القرار الرسمي لجوءه إلى الغموض الذي يخبئ ترددا.
على الحكومة ان تدرك ان الهامش الذي منحه الدستور لتأجيل الانتخابات لا يجعل من فكرة التأجيل هي الاصل، وان على الاردنيين "الضرب بالمندل" مع كل موسم انتخابات، بانتظار ان "تتكرم" الحكومة بتأكيد الموعد او نفيه. وعلى كل العاملين على التأجيل ان يدركوا ان هذا ينقض فكرة الاستقرار السياسي وتماسك الدولة، فنحن لسنا دولة خارجة من حرب اهلية، او في بداية عمرها، بل لدى الناس وعي وانتماء واستقرار لا يقاس بتردد بعض النخب وضعف بنيتها السياسية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة