قبل فترة، نشرت "الغد" خبراً رئيسا مطولاً حول نية الحكومة اعادة فكرة خدمة العلم. وقد ذُكرت بعض التفاصيل التي من بينها مدة هذه الخدمة، والتي تتراوح بين 3-9 اشهر، حسب تعليم الشاب وشهادته.
واذكر انني أشرت الى هذه الفكرة اكثر من مرة؛ الاولى قبل اشهر، تحت عنوان "خدمة علم"؛ والثانية في 21 أيلول الماضي تحت عنوان "شباب أردني". وهذه الفكرة التي تداولتها بعض الاوساط الرفيعة منذ حين لا تهدف بالدرجة الاولى الى حل مشكلة البطالة، عبر ترحيلها عدة اشهر، ولا الى زيادة رقعة حملة التدريب المهني، رغم ان هذه الامور من الاهداف الثانوية، لكن الهدف الرئيس هو خدمة تربوية، وصقل شخصية الشباب الاردني، ولا سيما تلك الفئات المنشغلة فيما لا يجب، والمسكونة ليل نهار بنغمات الخلوي وموضات البنطلونات (الساحل منها وما هو على الخصر)، او المتخصصون بتطورات ملف "بوز" الاحذية، رفيعا كان ام عريضا! او تلك المجموعات التي تعرف عن حياة المطربين والمطربات، واخر اخبارهم وانواع اكلاتهم وخلافاتهم الداخلية، اكثر مما تعرف عن بلادهم وقضايا امتهم، وما يجري حولهم.
وكما قال مسؤول رفيع، فإننا احياناً لا نفرق بين الشاب والفتاة، واصبح التفريق اصعب من مسابقات بعض الصحف التي تطلب من القارئ اكتشاف خمسة اختلافات!
وهذه الحال ليست قاصرة على فئات غنية او على سكان منطقة جغرافية معينة، فحتى المناطق الشعبية او الفقيرة اصاب سكانها مرض العبث، لكن حسب امكاناتهم. فشباب بعض القرى وابناء فقراء لديهم ايضاً هوس الخلويات والنغمات، ويقترضون لتبديل الخلوي، ويجهدون رواتب ابائهم المنهكة لتأمين ثمن الدخان، ويقفون بلا عمل او مهملين دراستهم يتحدثون بما هو غير نافع. والعبث بشكل عام قد يكون بيئة خصبة لانتشار الخمور او حتى المخدرات.
انه وباء العبثية وانعدام الشخصية الايجابية، نجده في كل بيئة بأعراض مختلفة. وهذا الوباء لا تعالجه الا اجواء شبيهة بالجندية وخدمة العلم، لكن بشرط ان لا تكون طويلة، بحيث تكون عائقاً امام فرص العمل والدراسة. وخلال هذه الفترة يقترب الشاب من مجتمعه بتدريب مهني عملي، وخدمة عامة في احدى المؤسسات.
خدمة تربوية يدرك معها الشاب ان النهار يبدأ منذ الفجر، وان اليد يجب ان تكون خشنة، وان الركض والتدريب يغير المزاج ايجابياً، وان حمل فرشاة الدهان ليس عيباً، وان كنس الشارع امر مقبول. واذا ما احسنت الحكومة صياغة برنامج خدمة العلم الجديد، فإنه سيكون كفيلاً بتأهيل سلوكيات الشباب وقناعاتهم واهتماماتهم.
قديماً، وربما حتى الان، لم تكن فئات من الشباب بحاجة الى الخدمة التربوية؛ فمن يصحو في الصباح ليبيع الكعك والصحف لتأمين مصروفه ومساعدة ابيه يدرك قيمة القرش، ويتشرب معاني الرجولة؛ ومن تربى على ان يأخذ من والده ديناراً، وقديماً 30 قرشاً، اجرة للباص وثمن سندويشة وهو طالب جامعي ليس مثل من يدفع عدة دنانير يومياً ثمناً لـ"مسجات"، ويكون حديثه مع زملائه حول نانسي عجرم وجورج وسوف.
وكما ان لدينا شبابا من هذا النوع، فإن لدينا فئات جادة، تدرس وتعمل، وتحمل هموم ابائها وعائلاتها، فلا يشتري الشباب فيها إلا ما يحتاجه من ملابس عند الضرورة، لانه يعلم ان والده لا يملك الا ثمن الطعام والشراب. وهم شباب لهم اهتمامات عامة، ومسكونون بقضايا وطنهم وامتهم؛ يقرأون ويكتبون ويناقشون، ولا يتوقفون عند صغائر الامور.
ليس مطلوباً من الشباب ان يعيش شيخوخة مبكرة، ولا ان يتجاوز زمنه واهتماماته، ولا ان يخرج من واقعه واستحقاقات عمره، بل المطلوب هو ان لا نخرج الى مرحلة الترف وغياب الاولويات والانشغال بما لا يليق.
مشروع الحكومة يمكن ان يقرب فئات من شبابنا لاستحقاقات الرجولة، فيتعلموا نوعاً من التدريب المهني. كما ان المشروع يقرب الناس والمجتمع، فيتواضع البعض، ويخرجون من عوالم وهمية. لكن من المؤكد ان خدمة العلم الجديدة ليست حلاً سحرياً لمشكلة البطالة، ولا جزءاً من مشروع التدريب الوطني؛ انها خدمة تربوية، حتى وان حملت مهارات مهنية وتدريباً عسكرياً؛ وهي ايضاً ليست صناعة لجيش او توسيعا للمؤسسة العسكرية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة