لم يكن يتخيل احد المواطنين ان مشاهدته وزوجته -وهو صاحب التجربة الطويلة- لأحد برامج المسابقات الهاتفية على احدى الشاشات ستكلفه حوالي 44 دينارا، وجدها بعد حين على فاتورة الهاتف!
وهذا الاسراف الذي تمارسه فئات من الناس يتم عبر استدراجهم من قبل هذه البرامج والفضائيات، والطريقة سهلة وبسيطة. وكما يقول بعض من اسرفوا ووقعوا ضحية الاستدراج، فإن سؤال المسابقة سهل جدا جدا، والجائزة ضخمة جدا أيضا، وتصل في حال صاحبنا -وربما اصحابنا الكثر- الى 40 ألف دولار. وعندما يسمع الشخص سؤالا يعرف إجابته حتى الاطفال، ويسمع ايضا قيمة الجائزة، ينتابه الحماس والاندفاع، ويمارس مؤاخاة بينه وبين الهاتف، فلا يكتفي بالاتصال مرة واحدة او اثنتين، بل مرات ومرات، ناسيا ان هذه الاتصالات مكلفة، إذ بين عينيه حلم الفوز بعشرات الالاف من الدولارات!
وتمتد السهرة مع الهاتف مع احباط عندما لا تحضر الدولارات. ولا يشعر الشخص بأن المؤاخاة مع الهاتف مكلفة الا عندما تأتيه الفاتورة، تحمل مثلما حملت لصاحبنا 44 دينارا تقريبا، او اقل من ذلك او اكثر، فيشعر انه تعرض لاستدراج، وربما يتهم شركات الاتصالات بالخداع والتحايل والتضليل. وقد يصل به الشعور بالخديعة، او ربما بما فعل، حد التهديد بعدم دفع الفاتورة، او التخلي عن الهاتف الارضي، مصدرا قرارا حازما غاضبا: "ما بدنا تلفون الحكومة".
هنالك مسؤولية كبرى علينا نحن المواطنين المشاهدين، فلا احد يجبر مشاهدا على رفع سماعة الهاتف والاتصال مرات عديدة، إنما نحن من نقرر ان نفعل او لا نفعل. ولعل ما تفعله بعض المحطات التلفزيونية هو انها تزين الامور للمشاهد؛ فالاسئلة سهلة جدا ولا تحتاج الى اي ثقافة او جهد عقلي، والجوائز ضخمة جدا، ومع ابتسامات فتيات الشاشات، والموسيقى التصويرية والتسويق والغناء، يشعر المشاهد ان ما يفصله عن الثروة وحل مشكلاته المالية او تحقيق آماله هو الاتصال ورفع السماعة، تماما مثل مدمني اوراق اليانصيب!
ولأن كفاءة المحطات الفضائية في التسويق اكبر بكثير من وعي بعض فئات الناس، فإن مردود هذه البرامج على الفضائيات وشركات الاتصالات هو مبالغ ضخمة، ومهما دفعت منها جوائز فإنها تظل في اعراف التجار رابحة، وتحقق ثراء سببه الاول عدم تفكير المواطن قبل ان يخرج الهاتف "من غمده" ويبدأ مسلسل الاتصال! وربما شعر المواطن انه كلما اتصل اكثر ازدادت فرصته في الربح، فالسؤال سهل جدا، والمطلوب ان يكون سهلا لأن المطلوب هو ان يكون عدد المتصلين كبيرا جدا؛ فالمردود يتناسب طرديا مع عدد المتصلين!
ليس هناك مسؤولية قانونية، لكنها عمليات التسويق التي تخاطب رغبة الناس في الربح، سواء أكانت الجائزة صغيرة ام بعشرات آلاف الدولارات. ولهذا، فقد لا يكون مطلوبا اكثر من توعية للمواطن، ليدرك طبيعة المسابقات وتكلفتها، وان يقرأ ما يكتب بالخط الصغير في اسفل الشاشة، بأن سعر دقيقة المكالمة 90 او 60 او 50 قرشا، او أن سعر الرسالة القصيرة هو بذات المبلغ! وأن لا يأخذه الحماس ويعتقد ان ما يفصله عن عشرات آلاف الدولارات هو اتصال.
كان يمكن لاي شخص يدفع 40 او 30 او 50 دينارا في سهرة هاتفية ان يدعو زوجته إلى عشاء في مطعم فاخر، حيث يقرأ عليها قصيدة، او يذكرها بأيام مجده وشبابه، فقد تكون التكلفة اقل من وليمة الهواتف.
برامج المسابقات ليست ليربح المواطن فقط، بل لتربح شركات الاتصالات والفضائيات، والسعيد من اتعظ بغيره!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة