مرة اخرى تستوقفنا جميعاً ارقام دائرة الاحصاءات العامة التي تشير الى مواصلة فاتورة مستوردات الاردن من الاجهزة الخلوية ارتفاعها، لتبلغ مع نهاية الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام حوالي 168.5 مليون دينار، بعد ان كانت خلال الأشهر الستة الاولى منه حوالي 123 مليون دينار؛ اي اننا استوردنا خلال شهرين اجهزة خلوية بقيمة 45 مليون دينار اردني! وهذه الارقام تسجل ارتفاعاً بقيمة 25% عن ذات الارقام خلال العام الماضي، إذ استوردنا خلال الأشهر الثمانية الاولى من العام 2005 ما قيمته 135.1 مليون دينار من هذه الأجهزة!
الارقام السابقة ليست لاسلحة عسكرية، او معدات لتطوير مفاعل نووي سلمي، او لبناء جامعة، بل هي لغايات "الحكي" والبذخ والاسراف والاستعراض. ومن اشتروا الاجهزة الجديدة لم يكونوا معزولين عن العالم، بل هم يستبدلون اجهزتهم القديمة. ولهذا، تقول الارقام الرسمية: اننا نحن، الشعب الاردني، الذين نشكو ونتذمر من الفقر والبطالة، ونتدافع على ابواب الجمعيات الخيرية وصندوق المعونة وموائد الرحمن وشاحنات الارز والزيت، استوردنا 1.5 مليون جهاز خلال ثمانية أشهر، اي حوالي 188 الف جهاز شهرياً، وبعبارة أخرى، ان 188 الف جهاز خلوي يجري تجديدها شهريا ورمي السابقة! ولعل الشعب الياباني، صاحب الثورة التكنولوجية، او حتى الشعوب المترفة في العالم، لا تستعمل هذه الكميات من الاجهزة نسبة الى عدد سكانها ونشاطها الاقتصادي.
في بلادنا سرطان سلوكي يجعلنا شعبا متناقضا مع نفسه؛ فهذه الملايين من الدنانير لا ينفقها اصحاب المال والاغنياء، بل كلنا نشتري اجهزة؛ والسبب ليس ان تعاملاتنا التجارية واموالنا في بورصات العالم تجعلنا بحاجة الى الاجهزة المتطورة، بل لاننا نبحث عن جهاز تكون نغمته اغنية لمطرب، او يصور فيديو، او فيه خدمة استقبال الصور! وهناك تطور سلوكي نوعي لدى فئات من شبابنا وفتياتنا، إذ يشتري أحدهم جهازا "فايعا"، لكنه بعد شهر يملّ منه، ويبحث عما هو اكثر "فياعة"، فيبيع الاول بنصف السعر لانه اصبح مستعملاً، وهكذا دورة الاجهزة!
وربما يكون المستفيد بعض التجار الذين يقوم عدد منهم باعادة تغليف الاجهزة المستعملة، وهي في حقيقتها جديدة، ويعيد بيعها باعتبارها حديثة.
نعم، نحن شعب متناقض في بعض سلوكاته، لهذا نجد من لا يصل راتبه الى 150 ديناراً على "خصره" جهاز خلوي ثمنه قد يزيد على الراتب، وينفق بطاقات بعشرين ديناراً، واذا سمع اشاعة بأن الحكومة ستزيد الراتب 5 دنانير انتابه الفرح، رغم أنه ينفق "قيمة الاشاعة" في يومين او ثلاثة!
ونحن الذين ننفق 168.5 مليون دينار على الاجهزة خلال ثمانية أشهر، ننفق مئات الملايين على الحكي، ومعظمه لا ضرورة له، بل هو كلام لهدر الوقت، لكنه يستنفد الراتب. وعلبة اللبن، وكيلو الخبز، يتضاعف سعرهما لان امر الشراء من الزوجة يأتي من خلال مكالمة خلوية. وهناك مكالمات كثيرة ينفقها الاردنيون "لتضييع الزهق"، او للسؤال "وينك؟"، رغم علم الشخص ان من يتصل به لا يعمل في وكالة الفضاء الاميركية، او باحثاً في جامعة اكسفورد، بل هو يحمل "الريموت" يشاهد التلفزيون، او يقف في الشارع!
واذا عدنا الى الارقام، فإن دائرة الاحصاءات العامة تقول ان قيمة مستوردات الخلوي تضاعفت 10 مرات، لتسجل نهاية العام الماضي حوالي 211 مليون دينار مقارنة مع 21 مليون تقريباً في العام 2000.
وبالمناسبة، فإن هذه المئات من الملايين ندفعها بالعملة الصعبة! وإذا كنا نقول ان السياحة هي بترول الاردن، وتعود على الاقتصاد الوطني بحوالي 500 مليون دينار سنوياً، فإننا ننفق -بكل كفاءة!- حوالي نصف هذا المبلغ لاستيراد اجهزة خلوية.
كلنا نتذمر ونشتم الاوضاع، ونشكو الفقر او قلة الارباح، او ضعف حركة السوق، او ارتفاع سعر "جرة" الغاز او "تنكة" الكاز، لكن كلنا ايضاً تقريبا نضيع نسباً ليست قليلة من رواتبنا الكبيرة او المتواضعة في الحكي والثرثرة، ونصدر سنوياً اكثر من 210 ملايين دينار، او حوالي 300 مليون دولار، الى العالم لنشتري بها اجهزة "للحكي".
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة