اليوم، تبدو احتمالات إجراء الانتخابات النيابية في الصيف القادم، بعد انتهاء عمر المجلس الحالي، أقل مما كانت عليه قبل ذلك. كما يبدو أن الجدل وتداول البدائل في دوائر صنع القرار واتخاذه مازالا مستمرين، وأن ممارسة كل طرف للدفع باتجاه خياراته ستستمر حتى الربيع القادم.
ما ورد في خطاب العرش حول الانتخابات كان تأكيد احترام الدولة لمبدأ إجراء الانتخابات في مواعيدها، لكنه لم يحدد موعدها؛ والدستور أعطى فسحة من المواعيد كلها دستورية. وما ورد في خطاب العرش إما أنه أحد الخيارات التي مازالت محل تداول، ويهدف إلى بعث الطمأنينة بأن احترام مبدأ الانتخابات قائم، أو أن خيارا توفيقيا تم التوصل إليه بدمج بعض الخيارات.
لكن إذا عدنا إلى الصورة الأوسع للموقف من إجراء الانتخابات، فسنجد أننا أمامنا المجموعات التالية:
أ- وجهة نظر ترى ضرورة تأجيل الانتخابات، تحسبا من آثار الأحداث الإقليمية الحالية أو المتوقعة على تركيبة المجلس. وأتباع هذا الرأي ينظرون من منظور سياسي أمني، ويرون أن إجراء الانتخابات في هذه المرحلة غير المستقرة ليس مضمونا أثره على المزاج العام.
ب- هنالك وجهة نظر تنادي أو تعمل على تأجيل الانتخابات، لكنها تهدف من وراء ذلك إلى التمديد لمجلس النواب الحالي. ويقود هذا الرأي شخصيات برلمانية، تحاول استخدام الأداء المتقدم للمجلس في خدمة السياسة الرسمية خلال الأشهر الأخيرة لإيجاد قناعة بأن هذا المجلس نموذجي، وفيه أغلبية مؤيدة للسياسة الرسمية لا يمكن الحصول عليها في أي انتخابات قادمة. وقد يكون ما جرى في انتخابات رئاسة المجلس ومكتبه الدائم نوعا من إثبات القدرات على وضع المعارضة في حجم غير مؤثر.
وربما يكون الدفع باتجاه توافق بين الرأي الأول والثاني، وأصحابهما من مراكز قوى وشخصيات، أحد الخيارات في حسم الموقف نهائيا، الأمر الذي يفترض أن يتم في الربيع القادم.
ج- هنالك شخصيات ووجهة نظر تتعامل مع فكرة الانتخابات باعتبارها عبئا على الدولة، وتؤمن هذه الجهات بإعاقة إدخال عناصر عبر الانتخابات إلى طبقة "الكريما" السياسية، ما أمكنها ذلك، وما زالت ترى أن انتخابات 1989 أدخلت إلى طبقة أصحاب القرار أشخاصا عاديين. أما توافق هذه الجهات مع الديمقراطية فهو نوع من المجاملة، وموقف هذه الشخصيات ليس من الانتخابات القادمة فحسب، بل من فكرة الانتخابات، حتى انتخاب ملكة جمال العالم!
د- أما وجهة النظر الرابعة فتطالب بإجراء الانتخابات في موعدها لغياب مبررات التأجيل، وإن حالة عدم الاستقرار في المنطقة ليست أمرا مضمونا؛ إذ تعاني المنطقة منذ عقود من توترات وحروب، ولا يمكن ربط الانتخابات بذلك. لكن يبدو أصحاب هذا الرأي في أوساط صناعة واتخاذ القرار قلة، إلا أنهم مدعومون برأي شعبي، وآراء معظم القوى السياسية والإعلامية.
ولعل من الأسباب غير المذكورة لدى المنادين بالتأجيل هو عدم وجود جبهة سياسية وسطية يمكنها المنافسة والحد من نفوذ الإسلاميين. ويبدو أن الخيار الذي تمارسه السلطة التنفيذية ليس في إيجاد حالة سياسية منافسة للإسلاميين، بل في إعادة هيكلة الحالة الإسلامية بأساليب مختلفة. ولهذا تعاملت مع الإسلاميين في أماكن نفوذهم، وأصبح الخطاب الرسمي خاليا من المجاملات في التعامل معهم.
أما الحكومة، فتبدو أقرب إلى خيار التوافق، لكن المشكلة أن كثيرا من الوزراء، بسبب طبيعتهم الفنية وضعف الجوانب السياسية لديهم، لا يتوقفون طويلا عند إجراء الانتخابات أو تأجيلها، وقد لا يكون رأي الحكومة إلا رأي الرئيس والقليل ممن حوله. ولعل المطلوب من الحكومة هو أن تكون صاحبة الكلمة الأهم، لأنها صاحبة الولاية العامة، ولا يجوز أن تكون طرفا من عدة أطراف، بعضها لا يمثل إلا شخصا، بينما الحكومة - بكل ما تعنيه دستوريا- تقدم رأيا ضمن منظومة آراء.
الصيغة التي تحدث بها خطاب العرش عن الانتخابات واجهت ارتياحا واسعا، لكنها ايضا فتحت الباب من جديد على كل الخيارات. والمؤيدون للتأجيل، أو للتأجيل والتمديد للمجلس الحالي يتحدثون بارتياح أيضا، فأمام هذه الأطراف فرصة لترويج ما تعتقد به. وإذا كان البعض ينظر للأمر من زاوية مهنية - حتى وإن اختلفنا معها- فإن البعض الآخر يتعامل مع الأمر باعتباره مصلحة ذاتية تتعلق بحضوره السياسي. وربما يرى البعض أن التوافق مع بعض الجهات الهامة قد يعطيه فرصة لتحقيق أحلام سياسية، والحصول على لقب رجل المرحلة.
سنبقى في هذه "الحزيرة" السياسية شهورا أخرى، لكن قراءة طرق تفكير دوائر صنع القرار تجعلنا أقرب الى الاعتقاد أننا لن نشهد انتخابات نيابية في الصيف القادم؛ فالمبررات التي يسوقها دعاة التأجيل مرشحة للتعاظم في لبنان وفلسطين والعراق، كما لن نستيقظ يوما لنجد الإسلاميين خارج اللعبة السياسية! ويبقى القرار لصاحب القرار، فاحترام مبدأ الانتخابات لا يلغي إمكانية الانتقال بها من موعد إلى آخر.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة