القضية التي سأشير اليها ليست مقصودة كموقع او اسم، بل كمثال على طريقة عمل الحكومة. فقبل عدة شهور، شغر موقع مدير عام دائرة الاراضي والمساحة بوفاة المهندس عبدالمنعم سمارة، رحمه الله، لكن حتى الآن لم تقم الحكومة بتعيين مدير عام لهذه الدائرة.
ووفق المنطق الحكومي بالهدوء والتأني، فإن شهرا او اثنين او ثلاثة تكفي لاختيار هذا المدير الذي لن يكون حاملا للملف النووي او رئيسا للحكومة، لكن الحكومة حتى الآن تفكر! ولو سألنا، لقيل ان هناك لجنة وزارية تستقبل الترشيحات وتقرأ الملفات، وربما يمارس اعضاؤها رياضة اليوغا للحصول على الصفاء الروحي او الذهني لاختيار هذا المدير!
لكن ما يستوقف هنا هو التعديل الوزاري الذي جرى قبل فترة. ففي العرف السياسي والاداري، يعتبر الموقع الوزاري اهم من المدير العام، لكن كل هذا التأني الذي يصل حد النسيان لم تمارسه الحكومة في التعديل، وبعض من دخلوا الحكومة كانوا قادمين إلى وزارة، وقبل يوم او اقل تغيرت حقيبتهم الوزارية! وبعض آخر كان وزيرا حتى الواحدة ظهرا، وفجأة فقد هذا الموقع لأن حسابات اللحظات الاخيرة ذهبت به! اي ان التعديل الذي هو اهم من تعيين مدير عام، جرت فيه تغييرات جذرية خلال اليومين الاخيرين، واحيانا خلال الساعتين الاخيرتين، فهل يظهر التأني والحكمة في جهة، فيما يظهر نقيضهما في المواقع الادنى؟!
وربما يكون بعض الوزراء الذين جاؤوا في التعديل الاخير اعضاء في لجان اختيار المواقع العليا؛ فأي مدرسة ادارية او علم سياسة ذاك الذي يعطي لوزير يتم اختياره خلال يوم او اثنين، او حتى ساعات، القدرة على اختيار المواقع العليا وفق مقاييس الشفافية والتأني؟! فاللجنة الوزارية ستقرأ السيرة الذاتية، وتقابل، وتستحضر كل مخزون العدالة، بينما قد يكون الوزير في وزارة لم يدخلها قبل حلف اليمين ولا حتى مراجعا، ولا يعرف نظمها ولا قوانينها، ومطلوب منه رسم استراتيجية تطوير.
سنسمع من يقول ان الوزارة موقع سياسي، لكن هذا الكلام "كان زمان"؛ فالوزير ليس موقعا سياسيا الا وفق النص الدستوري النظري، فيما اسس الاختيار، والحديث عن التكنوقراط، جعلتنا نتمنى ان نجد بعض من يقدمون اداء فنيا جيدا، بعد اليأس من المقدرة السياسية.
وإذا عدنا الى حكاية اصلاح وتطوير القطاع العام، أفليس من اسس الاصلاح الحفاظ على دافعية الموظفين، وإعطائهم الحق في تولي المواقع الاولى في دوائرهم ووزاراتهم؟ ولماذا نفترض دائما أن شغور اي موقع يعني البحث عمن يشغله من خارج الوزارة او الدائرة، او القدوم بشخص من القطاع الخاص، له مكتب خاص بكادر من ثلاثة موظفين، نوليه الامر وكأن كل موظفي الوزارة او الدائرة فاقدون للمواصفات والقدرات، ويحتاجون الى الرجل المعجزة الذي يُعيّن بقرار من مجلس الوزراء، سواء عبر لجنة او ورقة صغيرة تمرر من مكان لآخر.
لنحترم موظفي القطاع العام، ولتكن لهم الاولوية في احتلال المواقع المتقدمة وفق مواصفات ومقاييس. فإن وجدنا الوزارة او الدائرة تخلو ممن يصلح امينا عاما او مديرا عاما، وفقا لتلك المواصفات والمقاييس، عندها يمكن البحث في وزارات اخرى، وليس كما يجري من افتراض للعجز، والبحث بالتالي عن مرشحين من القطاع الخاص او من اصحاب قوى دفع من هنا او هناك! فهل من المعقول ان نصنع قانونا غير مكتوب يجعل من موظف الدائرة الكفؤ لا يحلم بتولي الموقع الاول، لانه على قناعة بأن هذه المواقع يهبط اصحابها من الخارج؟!
القطاع العام هو الموظف ابتداء، من الوزير وحتى اصغر رتبة، واذا كانت المواقع الهامة والاولى يتم التعيين فيها وفق اسس غير مفهومة، او استثناءات او عقود خاصة او "تزبيطات"، فلماذا نكثر من التنظير على صغار الموظفين، بأن نضع لهم مدونات سلوك وامتحانات تنافسية وديوان خدمة ونظام خدمة غير مستقر؟ الاصلاح الحقيقي لا يجعل من مجيء الوزير صدفة، والامين من خارج الوزارة، والمستشار بعقد، فيما موظف الفئة الرابعة نضع له الكثير من المواد في الانظمة حتى نضمن حسن سيرته وسلوكه.
نتمنى لكل اصحاب المواقع الاولى في الحكومة العمر المديد، لان تجربة دائرة الاراضي كشفت ان لدى الحكومة مخزونا كبيرا جدا من التأني في تعبئة الشواغر. لكن يبدو انها نسيت هذا المخزون في التعديل وأماكن اخرى!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة