الأزمة السياسية اللبنانية تبدو، في ظاهرها، بين اكثرية حكومية وبرلمانية واقلية برلمانية معارضة تريد تشكيل حكومة وحدة وطنية بمعادلة تمثيل ونسب توزيع جديدة. هذه المرحلة هي الحلقة الأخيرة من حالة سياسية تمتد عقودا، وهنا لا نتحدث عن بدايات نشوء شكل الدولة اللبنانية، لكن عن ثلاثين او اربعين عاما. وما يعانيه الشعب اللبناني اليوم هو ضريبة بأثر رجعي لحالة استباحة لبنان كأرض وطوائف من الجميع.
اطراف الخصومة اللبنانية يتبادلون الاتهامات بأنّ احد المعسكرين جزء من تحالف ايراني سوري والآخر يتبع للسياسة الاميركية الفرنسية والاوروبية، وهذا يعني ان الخلاف يتجاوز عدد الوزراء الممثلين لكل طرف او حتى قانون الانتخابات او حتى شرعية الرئيس اللبناني اميل لحود، انها حكاية اي وطن يعيش عقودا، ويبني مساره وهو مستباح بالتبعية المباشرة وغير المباشرة من كل مجموعة او حزب او طائفة للخارج.
المشكلة لم تكن دائما في لبنان وشعبه، بل بالاخرين اشقاء واصدقاء واعداء الذين استغلوا ضعف بنية الدولة، ولعبوا على حاجة كل طرف سياسي او طائفي لقوة خارجية تحميه وتساعده، فتحول لبنان الى ساحة مستباحة، الكثير من الذين اخترقوها وعبثوا بها رفعوا شعارات الاخوة والقومية والنضال والكفاح ضد الاعداء وغيرها من الاقاويل، لكن داخل كل جهة خارجية اجندة نفوذ خاصة. الجميع كانوا يريدون لبنان ساحة نفوذ، بغض النظر عن الثمن الذي يدفعه هذا البلد من وحدته واستقراره وأمنه.
عبث الاصدقاء والاشقاء والاعداء في لبنان، واشعلوا فيه حربا أهلية حرقت الروابط واقامت سدودا من الكراهية، مارسوا احتلالات وتدميرا وقتلا وأسرا لاقتصاده. اتفق اللبنانيون على الاحتلال الواضح من العدو الصهيوني، لكن تدخلات الاشقاء سواء عبر الجيوش واجهزة المخابرات وتوجيه الاحزاب وتصفية الساحة من الخصوم كانت محل خلاف، لان البعض كان له مصلحة في نفوذ هذا الطرف او ذاك يستقوي به، والبعض الاخر يرى نفسه مكشوف الظهر.
لبنان اليوم - كما كان خلال عقود- يدفع ثمن انه ليس لأهله، مصالحه هي مصالح خصومه واعدائه حتى وان كانوا عربا، ومن يقاتل في غير ساحته ليس معنيا بما يدمر ويقتل ولا بحاجة اهل الساحة للامن، الكثيرون قاتلوا في لبنان وبلبنان، ادعوا ان ساحات بيروت هي الطريق لهزيمة اسرائيل وتحرير الارض العربية، وعندما جاءت اسرائيل بجيشها المعتدي اكثر من مرة لم تجد الا الخطابات من البعض، ووجد اللبنانيون ان عليهم ان يقاوموا وحدهم ويموتوا وحدهم.
عندما وصل بعض من فقدوا نفوذهم في لبنان الى اليأس، او رأى بعض اخر لبنان ورقة يمكنه تحويلها الى رصيده، مارسوا العبث الذي يخدمهم معتمدين على بنية هشة صنعها التاريخ في لبنان تجعل من السهل ان ينقسم الناس الى معسكرين او معسكرات كلها تحمل اعلام لبنان، لكن قائمة المستفيدين تضم مجموعة اعلام ويافطات غير لبنانية.
قضية لبنان انه فقد الدولة القومية. وعبثُ الاخرين ادى الى نظام حكم يتم تركيبه وفكه بقرارات من الاصدقاء او الاعداء، ومشكلة الكثير من القوى اللبنانية انها اقامت معادلة وجودها على الاستقواء بالخارج، فتحولت بحكم مصالحها الى تابعية لمن يدعمها.
لبنان دخلته دبابات وجيوش وميليشيات الاحتلال من الاعداء والنفوذ من غيرهم، لكن اللبنانيين لم ينجحوا في ان يكون لهم جيش رادع ففقدوا المؤسسة المفصلية لاي دولة، فكانت بعض المليشيات اقوى من الجيش، لهذا فهو لا يردع عدوا ولا يؤدب متمردا.
اللبنانيون شعب عريق يحب الحياة ويتمرد على الدمار، لكن ابواب هذا البلد فتحت لعبث السياسة والمخابرات والتجار، والبعض تعامل مع لبنان الوطن كما تعامل مع اماكن السهر، وتبقى الحكاية العبرة ان بداية النهاية لاي دولة ان تكون بعض قواها السياسية ومليشياتها العسكرية والاعلامية مكاتب اقليمية حتى لدول شقيقة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة