رغم كل القتل والاحتلال الذي عاناه الشعب العراقي خلال السنوات الماضية، الا ان القوى الحية الشريفة التي وقفت في وجه الاحتلال الاميركي، فقاومته واضعفته، وانهكت قواه وشتتت تركيزه، هذه القوى قدمت خدمة جليلة للامة جميعا؛ ليس في كمية الخسائر التي اوقعتها في صفوف الاحتلال، بل في افشال مشروعه، وتعطيل افكاره التوسعية.
إذ لو نجحت اميركا في العراق وارتاحت هناك، لكانت اكثر جشعا في توسيع مشاريعها العدوانية، سواء أكانت مشاريع عسكرية ام مشاريع ثقافية او هيمنة. ولو وجدت اميركا في كل العراق الاستقبال والمساندة والشرعية الذي وجدته من قبل بعض القوى، لما كان الوضع كما هو الان، إذ تحول العراق الى مأزق للسياسة والجيش والادارة الاميركية.
للقوى الحية المقاومة بشرف، بعيدا عن القتل العشوائي، وتفجير الشوارع، دين في رقبة كل ابناء الامة، بل حتى انظمتها؛ فاميركا لو حققت كل ما تريد في العراق، ولو استقبلها الجميع كما استقبلها البعض بالتأييد، لكانت دولة او دول عربية أخرى هدفا جديدا للعدوان الاميركي، لكن ما فعلته المقاومة العراقية الشريفة، بغض النظر عن لافتاتها السياسية، انها وجهت رسالة ردع للادارة الاميركية، ليس عن ارض العراق فحسب، بل عن مساحات اخرى من الارض العربية، وعن الهوية العربية، وحتى عن انظمة عربية بعضها صديق معلن او سري لاميركا.
ما فعلته قوى المقاومة الصادقة انها قدمت الاحتلال الاميركي على حقيقته، فهو ليس مشروع زراعة ديمقراطية، او لانقاذ العراقيين من الجحيم الى الجنة، بل اثبتت التجربة ان اميركا حولت كل العراق الى جحيم، والى مقبرة جماعية ضخمة، وكل ساعاته ساعات موت وقتل. وعندما وجدت جيوش الاحتلال رجالا ومجموعات عراقية صادقة تقاتل وتقاوم وتدافع عن سيادة وطنها، وترفض ان تقدم نفسها وقودا للمشروع الاميركي الصهيوني، عند ذلك ظهر الوجه الحقيقي للاحتلال الذي لم يكن اكثر من نظام قمعي، صنع بنية قائمة على الميليشيات، وروح الثأر السياسي والطائفي.
وللاسف، فان بعض القوى العراقية خلطت الحق بالباطل، فشوهت بقصد او بسوء فعل فكرة المقاومة، عبر تكثيف القتل عبر التفجيرات في الشوارع، واللجوء إلى السيارات المفخخة التي تجاوزت قوات الاحتلال الى حياة الناس! نقول هذا ونحن نعلم ان قوى غير سوية عملت بقصد على تشويه صورة المقاومة، ووقفت وراء كثير من عمليات القتل العشوائي، حتى تقول ان المقاومة هي التي تفعل هذا.
العراق دائما يقدم خدمات استراتيجية لامته، فيقف سدا امام افكار او مشاريع توسع تثبت خطورتها الان بعد هدم الاميركيين وحلفائهم من الثوار الدولة العراقية العربية. واليوم تقف القوى العراقية الصادقة سدا عربيا اسلاميا في مواجهة المشروع الاميركي الصهيوني الذي تقوده القوى المتصهينة في الادارة الاميركية، سدا ليس لحماية العراق بل لحمايتنا جميعا.
لكنّ للعراق وشعبه، ولهذه القوى واجبا، في رقابنا جميعا، وهو المحافظة على الهوية العربية لهذه الدولة؛ فمن التحديات الكبيرة التي لا تقل خطورة عن الاحتلال ما يفعله البعض لإعادة تشكيل هوية الدولة العراقية، وتحويلها إلى حالة تبعية لدولة أخرى. وإذا ما ذهب هذا السد العربي، فإن آخرين سيجدون أنفسهم مطالبين بأداء هذا الدور للدفاع عن هويتهم العربية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة