ما نزال نتعامل مع البرقية والاستدعاء للديوان الملكي او رئاسة الوزراء باعتبارها وسيلة تظلم، وهنا لا اتحدث عن مطالب شخصية من تعليم وصحة، بل عن قضايا يحتاج فيها المواطن الى إنصاف من صاحب القرار، ولهذا من السهل ان يذهب الأردني إلى مكتب البريد ويكتب برقية تظلم الى الديوان الملكي او رئيس الوزراء يشكو فيها حالاً أو إهمال مسؤول أو قضية لحق فيها به الظلم، وهذه الثقافة السياسية الادارية ايجابية لأن الأردني يشعر أنّ الملك أو رئيس الحكومة قريب منه وأنّ صوته يصل الى صاحب القرار، ولهذا في بعض المشكلات في دوائر الحكومة او القضايا الكبرى نسمع بعضنا يقول ويقسم انه سيرفع الامر إلى الملك او إلى رئيس الحكومة، رغم أنّ هذا المواطن ليس مسؤولا او نائبا، لكن ذلك جزء من العلاقة التاريخية.
ورغم كل الاقتراحات؛ من ديوان مظالم ولجان فإنّ المحافظة على هذه الممارسة امر ضروري، لكن احيانا يبدو هناك نوع من التجاهل. فقبل ايام سمعت من مواطن تعرض لظلم انه ارسل ثلاث برقيات الى رئيس الوزراء لكنه حتى لم يتلق هاتفا او برقية او رسالة تشعره بالتفاعل او الاعتذار او تبني مشكلته، اي ان هذه البرقيات وصلت الى موظفين وتم وضعها في اماكن لا علاقة لها بالتواصل. وهنا لا اتحدث عن قضية مواطن، بل عن عقلية، فيفترض في الحد الادنى ان يشعر المواطن ان رأيه محترم لدى المسؤول، حتى وان لم يحصل على شيء، بخاصة أنّ الأردني قد لا يشاهد رئيس الحكومة طيلة توليه الرئاسة إلاّ في التلفزيون، وهو لا يجد حلا لمشكلته عند المحافظ او غيره.
هنالك مشكلة أخرى ربما جسّدتها بعض المراحل تتعلق بوجود (شبكة امان وعلاقات) لبعض كبار المسؤولين في مؤسسات خدماتية هامة. فإذا رفع المواطن شكوى بحق هذا المسؤول، او كان له حق في تلك المؤسسة، عملت (شبكة الامان!) هذه على احتكار برقية الشكوى لديها، وعدم ايصالها لصاحب القرار، والاكثر سوءا ان يحمل هذا الصديق المتنفذ لصاحبه كبير المؤسسة المشتكى عليه، يحمل له البرقيات والتقارير ويضعها بين يديه، ولا يكتفي هذا بالاطلاع عليها، بل يستدعي المشتكين ويطلعهم على برقياتهم، التي من المفترض ان تصل الى صاحب القرار، ليخبرهم انه لا مجال لهم ولا طريق، فتخيلوا مواطنا له حق عند مسؤول او وقع عليه ظلم يشعر ان كل المفاتيح تعمل لصالح المسؤول المخطئ، فأي شعور بالعدالة سيصل اليه؟!
التواصل وفتح ابواب التعبير والشكوى والتظلم امام المواطن جزء اساسي من ادوات الادارة والحكم. فالنائب والعين والاعلام واللقاء المباشر ادوات لهذا، لكن ثقافة الشكوى المباشرة جزء من قناعة الناس التاريخية بأن الملك قريب منهم ورئيس الحكومة ليس بعيدا، وان الدولة هي حصتهم، لهذا فإن من هم حول صاحب القرار -من موظفين- قادرون على العمل الجيد والحفاظ على قنوات التواصل او التعامل بفوقية و(رمي) رسائل وبرقيات في السلة لاعتقادهم ان هؤلاء ناس عاديون لا يملكون اكثر من البرقيات، لكن كل برقية هي حكاية لصاحبها، وكل مناشدة ومظلمة هي قضية تصبح من التاريخ الشخصي لاهلها.
ليحترم المسؤولون اوراق الناس وشكاواهم ومظالمهم فهؤلاء هم الاردنيون، اي الشعب الذي يتحدثون عن جهدهم لخدمته، ولا تصنع قرارات التعيين شبكات وشللا من اصحاب المواقع الأولى الذين يتحولون الى دوائر مغلقة في حجب الشكاوى والمظالم عن صاحب القرار، يحمون سياسات وقرارات بعضهم بعضا، لكن على حساب الناس وحقوقهم، وعلى حساب حالة التواصل الفطرية بين المواطن وصاحب القرار.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة