ما يثير الاستغراب، وربما السخرية أكثر، أن تستمر حملة تقودها بعض المواقع الدينية والإعلامية الأميركية على الأردن بذريعة طرد عدد من المبشرين الأجانب، الذين يهددون بعملهم السلم والأمن الاجتماعي، وبمزاعم رسمية أميركية، أيضاً، أنّ هنالك "قلقاً" على الحرية الدينية في الأردن.
ومكمن السخرية من هذه الدعاوى أنّها غير مطروحة في الأردن، من قريب أو من بعيد، وإنّما تطرح فقط في الولايات المتحدة، وكأنّ هنالك أردن آخر غير هذا البلد الذي نعيش فيه. وكأنّ مجلس الكنائس في الأردن، الذي يمثل الأكثرية المطلقة من المسيحيين الأردنيين، لم يُصدر بياناً يرد فيه على دعاوى ذلك المرصد الإعلامي الأميركي، ومن ينفخون بمزاعمه لأغراض سياسية لا علاقة لها بالمسيحيين في الأردن من قريب أو بعيد.
القضية بصراحة ووضوح ليست بالتضييق على الحريات الدينية، فالمسيحيون والمسلمون يمارسون عباداتهم وطقوسهم بكامل الحرية والأريحية، ما لا تجده في أكثر دول العالم، لكن ما يقف وراء الموقف الرسمي من "بعض الإرساليات التبشيرية" هو الخشية أن تكون هذه الإرساليات معول تهديم للسلم الأهلي والاجتماعي واجتراح فتنة غير موجودة أصلاً، من خلال توظيف أعمال إنسانية تطوعية لأهداف دينية ذات أبعاد سياسية.
ولنكن أكثر وضوحاً، لم نرصد إعلامياً أية مؤشرات ودلالات على ضيقٍ (ما) يبديه المسلمون من تلك النشاطات التبشيرية الغربية، قبل التقرير الأميركي المذكور، لأنّ نتائجها وتداعياتها غير واضحة للعيان، لكن الشكوى الحقيقية كانت من الكنائس المسيحية الأردنية التي تشعر أنّ هنالك نشاطات غير بريئة، ومداخل إنسانية لأهداف تخرج عن نطاق العمل التطوعي، إلى إحداث عملية تغيير حتى داخل المدارس والطائفة المسيحية ذاتها، ما دفع بالحكومة إلى اتخاذ مواقف – بعيداً عن الإعلام- تصون حالة السلام والتسامح داخل الأوساط المسيحية ذاتها بدرجة أولى وبين المسلمين والمسيحيين بدرجة ثانية، وهو الموقف ذاته الذي ستتخذه الحكومة لو كانت هنالك حركة إسلامية تبشيرية منتظمة تثير المشكلات مع المسيحيين في الأردن، لما لذلك من تداعيات سلبية على التعايش الديني والسلم الأهلي.
عودة إلى الواقع، بعيداً عن التقارير والدعاوى المختلفة، فإنّ المراقب الموضوعي للمشهد الأردني يدرك مدى قوة ومتانة نموذج التعايش الديني بين المسلمين والمسيحيين، وهو التعايش الذي يصل إلى تجاور أجراس الكنائس مع مآذن المساجد في أماكن عديدة، وإلى تبادل الزيارات والمشاركات الدينية بين الطرفين، بل فوق ذلك وذلك لا يمكن هنا تمييز المسيحي من المسلم، سواء بملبسه وثقافته وعاداته ومشاعره الوطنية والقومية داخل المجتمع أو الدولة. فالمسيحيون، كالمسلمين، منخرطون في حركات متطرفة من المعارضة السياسية كما هم حاضرون في مؤسسات الدولة المختلفة دون أي تمييز. بل وفي الأردن لا يتوانى عدد كبير من المسلمين من إرسال أبنائهم إلى مؤسسات تعليمية ذات هوية رمزية مسيحية والعكس صحيح.
التسامح بأبعاده المختلفة السياسية والدينية والثقافية والعرقية (بين المسيحيين والمسلمين والشركس والشيشان والأكراد، وبتعدد الأصول والمنابت الشامية والقروية والبدوية والمدنية) أحد الملامح الأساسية في الحياة الاجتماعية والسياسية الأردنية. فهنالك أريحية اجتماعية وانفتاح جميل ومزيج مشترك بين كل الألوان التي تشكل النسيج الوطني الأردني. ولعلّ الشاهد الأول على ذلك أنّ من تصدى للرد على الدعاوى الأميركية هو المؤسسة الدينية والقيادات السياسية والإعلامية المسيحية في البلاد.
على هذه الأرضية المتينة من الالتحام الوطني يقف "المركز الأردني لبحوث التعايش الديني"، الذي تقوم عليه شخصيات دينية مسلمة ومسيحية تساهم في ترسيخ وتجذير هذا النموذج من التفاهم الوطني الحضاري والعمل على تقديمه إلى العديد من الدول والمجتمعات الأخرى التي تعاني من أزمات حقيقية في العلاقة بين الأديان والطوائف المختلفة.
لعلّ الردّ الرئيس والمباشر على تلك الدعاوى الأميركية هو رسائل أميركية وصلت إلى المركز الأردني عن التعايش الديني من زوجة الرئيس الأميركي لورا بوش والسفير الأميركي في عمان، إذ تثمّن هذه الرسائل دور المركز الريادي في قضايا التعايش الديني ما يتجاوز المستوى المحلي إلى المجال الإقليمي والعالمي.
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد