حين كان الشاب او الطفل او المرأة الفلسطينيون يرفعون علم فلسطين في مواجهات مع جنود الاحتلال، كان المشهد عربيا اسلاميا وإنسانيا. وقد تحول هذا المشهد الى صور وملصقات على دفاتر الطلبة، ولوحات الاعلانات في الجامعات، و"دوسيات" الطلبة الجامعيين؛ لأن الملثم الذي يحمل علما وحجرا او بندقية كان رمزا للعزة والجهاد، والتصدي للاحتلال الصهيوني الغاشم.
هذه الايام، نشهد تشويها لهذه الصور الكريمة. فهناك ملثمون وأسلحة، لكنها موجهة من فلسطيني لآخر! كلهم رجال امن او اعضاء في تنظميات عسكرية تم انشاؤها اصلا لمواجهة اسرائيل وتحرير الارض، لكنها الآن ادوات صراع وتنافس واقتتال داخلي!
وإذ خرج القادة على الميكروفونات وأعلنوا انهم لن ينجروا لاقتتال داخلي او حرب اهلية، وقالوا ان الدم الفلسطيني خط احمر، واذا كان كل هذا صحيحا، فمن الذي يقتتل في شوارع غزة؟! وأي دم ذاك الذي يسيل من الجرحى والقتلى والاطفال؟! انه دم لم يعد خطا احمر، والادعاء بعدم الانجرار للاقتتال الداخلي ليس له مصداقية، لأن هذا الاقتتال يحدث، والجرحى والقتلى يسقطون، اما عبر اغتيالات او مواجهات.
البعض لا يحب ان يسمع هذا الكلام، وما يطلبه هؤلاء هو ان نمارس هجوما على احد الطرفين؛ فإما ان نتهم حماس بأنها السبب، او نتهم السلطة وفتح بهذا. وهذا الامر ممكن في الحديث السياسي، اما عندما تصل الامور الى الدم والقتل والاغتيالات والبطولات الوهمية، فإننا نكون كمن لديه مريض في العناية المركزة، إذ لا يكون معنيا بالبحث عن الاسباب، بل بتوفير العلاج وإنقاذ المريض. فالاسهل ان نتهم طرفا، لكن الاصعب ان نذهب جميعا لتشكيل رأي عام يوقف النزيف، ويمنع ذهاب الساحة الفلسطينية نحو حرب اهلية او اقتتال داخلي.
جميع الفصائل العسكرية ملتزمة بالهدنة مع اسرائيل، لكن بعض السلاح تفرغ من المقاومة ليطلق في شوارع غزة ورام الله! وما يجري في السلطة صنع واقعا جديدا اهم من الرئاسة والحكومة والاجهزة الامنية. فما تصنعه مشاهد الاقتتال والبنادق التي تطلق في كل مكان الا باتجاه الاحتلال، هو ان البندقية الفلسطينية فقدت قداستها ومكانتها الجهادية الرفيعة. والملثم الذي كان مشروع استشهادي اصبح قاتلا او مقتولا في شوارع غزة، وصورته لا تختلف عن صورة المقاتلين في الصومال وهايتي وأثيوبيا؛ فكلها بنادق نزاع وصراع.
كل هذه الاستعراضات والاسلحة الحديثة اشبه بأفلام رامبو الاميركية، لأنها فقدت بساطتها وصدقها يوم كانت تؤذي الاحتلال وتبعث الرعب في قلوب الجنود الصهاينة، وقد دخلت عليها الآن الكثير من الاكسسوارات والاستعراض! فكلهم حراس شخصيون لقادتهم، لكن ليس خوفا من الصهاينة، بل من فصيل آخر وملثم فلسطيني لا ندري من ارسله، ولحساب من يعمل!
كل هذه الفيالق الشجاعة التي نشاهدها في غزة والضفة لا تستطيع ان تعطي لمحمود عباس القدرة على مغادرة الضفة الا بإذن ضابط في جيش الاحتلال! وكل الضجيج في غزة لم يعط اسماعيل هنية القدرة على العودة الى غزة، بل بقي جالسا على الرصيف في الجانب المصري، وعاد من دون حقائبه، فلماذا كل هذه البطولات والاستعراضات؟!
اولوية السلاح الفلسطيني اليوم هي النزاع الداخلي والاقتتال والتصفيات. ولهذا، عندما كنا نشاهد صورة او فيلما عن مجاهد في فصيل عسكري، كان الأمر يبعث فينا الشعور بالعزة والمجد، وكأننا امام صحابي، لكن ما جرى في فلسطين جعل المشاهد يشعر بالاشمئزاز من مشاهد المقاتلين ورجال الامن، رئاسيا كان ام تابعا للحكومة، لأن بندقيتهم اصبحت بندقية ميليشيات وليست بندقية جهاد ومقاومة.
اسرائيل ومن معها مارسوا حصارا ظالما على الشعب الفلسطيني منذ ان جاءت حكومة حماس، لكن ادارة المرحلة ذهبت بالبعض الى معسكر الحصار. وذهبت التفاعلات حد الوصول الى ابواب حرب اهلية تمارس بشكل جزئي بين الحين والآخر. ومع وقوفنا الحازم الى جانب حق الفلسطينيين في اختيار حكومتهم وقيادتهم، الا ان هذا لا يمنع من القول ان الشهور الماضية ادت الى هدر التعاطف مع هذه القضية المقدسة، وأفقدت البندقية الفلسطينية مكانتها، وأصبح الخبر الفلسطيني مؤذيا وليس كما كان: خبر صمود وبطولة وشهداء.
ليس المهم من سينتصر، وهل ستذهب الحكومة ام تبقى، وهل ستفرح بإسقاط خصومها او تفشل، لان الخسارة الكبرى تحققت، والاولويات تبعثرت، وإسرائيل تشعر بالارتياح، وعملاؤها في احسن احوالهم في اوصال المجتمع الفلسطيني؛ وفلسطين اصبحت خبر اقتتال وليست ساحة جهاد!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة