مرتان فقط كان لي فيهما احتكاك مباشر مع الدفاع المدني: الأولى، عندما تعرضت وعائلتي لحادث سير كبير قبل اكثر من عامين، وحملتنا سيارة الاسعاف العسكرية من مكان الحادث الى المستشفى؛ أما المرة الثانية فكانت قبل ايام، حين كنت وعدد من الزملاء الصحافيين في جولة في مديرية الدفاع المدني وادارة الانقاذ لاقليم الوسط.
ولعل الانطباع لدى فئات من المواطنين ان هذا الجهاز معني بـ"برابيش" المياه التي تطفئ الحريق، وسيارات الاسعاف. وربما يعتقد بعضهم ان هذه المهمات لا تستدعي كل هذه الكوادر والقيادات والابنية. لكن الاقتراب من تفاصيل عمل هذا الجهاز يجعل الشخص يدرك انه امام مؤسسة قد تكون من اكثر المؤسسات تماساً مع حياة الناس، سواء على صعيد الوقاية او الانقاذ.
نحن هنا لا نتحدث عن جهاز ملائكي خال من العيوب، او نقص الكوادر، او الحاجة إلى تعديل التشريعات والتداخل مع عمل الجهات الاخرى، كما لا نتحدث عن معجزات في العمل او لمسات سحرية، لكن المهم اننا امام ادارة وكوادر تريد التطور، وتبحث عن رفع سوية الاداء والخدمات المقدمة للناس. ولهذا، ليس مهما حفظ المعلومات والايجاز المقدم، لان المعلومات تحفظها الاوراق، إنما المهم هو الروح التي يعمل بها ابناء هذا الجهاز. فأحياناً، يسمع احدنا احاديث وشروحات وتفاصيل في مؤسسة او وزارة او شركة، فتشعر انك تستمع الى اعلانات وليس الى معلومات، وتجد نفسك امام استعراض وليس تعريف بالنفس!
ورغم الخدمات المدنية الكبيرة التي يقدمها الدفاع المدني، الا ان كونه جهازاً عسكرياً سمة من سماته، لان الانضباط والسلوك العسكري ضرورة لجهاز يعمل على مدار الساعة، وفي ظروف صعبة احياناً، وفي اعمال ومهمات خطيرة. ولو كان ابناء هذا الجهاز قطاعا مدنيا، لوجدوا من المتعاطفين او من نقابتهم المهنية الكثير من المطالبات بعلاوات لصعوبة العمل او  خطورته او العمل الاضافي، لكن هذا الجهد الكبير قابله تقدير ومكرمة بمنح علاوة صعوبة او خطورة عمل لرجال الدفاع المدني.
خلال الجولة استمعنا الى عدد من الشروحات، قدمها المدير والضباط والمهندسون والافراد. وربما ما بحثت عنه هو اجابة عن سؤال: هل لدى هؤلاء طموح وقدرة على التطور، ام هو جهاز مكتظ بالبيروقراطية، او قسم طوارئ في مستشفى بائس؟ لم اتوقف عند الارقام، على اهميتها، فالاهم هو تلك الرغبة في التطور وامتلاك وسائل التكنولوجيا. وكم كان جميلاً ذلك الادراك الواقعي لدور الجهاز على صعيد التلوث الكيميائي كما عبر عنه مهندس شاب، لم يبالغ ولم يذهب بنا نحو الفضاء بلا اجنحة؛ فدور الدفاع المدني في هذا المجال محدد، وما زاد له جهات اخرى.
ولان العمل فني مهني، فإن من الملاحظات الايجابية ان مدير الدفاع المدني لم يتصد للشرح والاجابة عن كل الاسئلة والملاحظات، بل كان يعطي أدوراً واسعة للمختصين؛ اي الاحترام للتخصص. فليس ضرورياً ان يفهم المدير في تفاصيل فنية. ولعل هذا يشير الى مبدأ اداري سلبي نلاحظه احياناً، إذ يحتكر المسؤول الاول الحديث عن كل شيء، سواء أكان يفهم كل شيء او لا يعلم عنه شيئاً! لكن هذا الاحتكار يحمل في ابعاده ادارة لا تسمح لاصحاب الاختصاص بأخذ دورهم وحقهم.
قد لا يكون المواطن معنياً بتفاصيل عمل اجهزة السيطرة او غرف العمليات، لكنّ لنجاح مؤسسات الدولة جانبا اكبر واكثر اهمية من التفاصيل، وهي جملة سمعتها من احد ضباط الجهاز حين قال: "ان قناعة المواطن بقوة وكفاءة اجهزة الدولة يعزز ثقته بالدولة". وهذا امر في غاية الاهمية. فعندما يشعر المواطن ان الدولة، وأذرعها السياسية والخدماتية، ذات كفاءة، تتعزز ثقته بالدولة. فالقضية ليست في كفاءة الدفاع المدني او المؤسسة الاستهلاكية المدنية او البلديات، بل في علاقة الدولة بالمواطن، وكل الاجهزة والمؤسسات هي مفاصل الدولة، وحين يشعر المواطن بقوة وكفاءة هذه المؤسسات، وقدرتها على التطور، وكذلك كفاءة المسؤولين في تجاوز الاخطاء، يكون اكثر اطمئناناً لمسار الدولة.
ربما نكون منحازين بالفطرة للمؤسسة العسكرية بكل تفاصيلها، لانها جذر الدولة وملح الأرض، لكن هذا الانحياز لا يمنعنا من الوقوف على الثغرات والسلبيات. وما أشرت اليه عن الدفاع المدني لا يعني غياب بعض السلبيات او الثغرات، او الحاجة الى مزيد من التطوير والامكانات، لكن العبرة ايضاً بالكم الكبير من النجاحات، والاهم هي الروح التي يعمل بها اهل كل مؤسسة. والمعيار ليس وجود الاخطاء، بل الرغبة في مزيد من الانجاز وتطوير الذات، والارتقاء بالخدمات المقدمة للاردنيين.
الدفاع المدني ليس مخزناً لـ"برابيش" وبودرة لاطفاء الحريق، بل هو مفصل من مفاصل الدولة، وكلما اقترب احدنا من اي مؤسسة كان اكثر قدرة على تقدير دورها وواجبها، وكذلك ادراك الثغرات في أدائها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة