لست ادري كيف تمكنت الدعاية المغرضة التي خالفت قاعدة المسؤولية المتمثلة بالنص الشرعي الذي مفاده «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا» في تكريس أن مستوى المعيشة شهد تراجعا مريعا في وعي وذهن المواطن الأردني، وان الناس يقفون على مقربة من الذل، والإفقار، والى ذلك يتم إرجاع أسباب التغير في المشاعر الوطنية، وما تشهده الحياة العامة في الأردن من حراك منظم ومختلف عما سبقه بسنوات طويلة، وذلك دون النظر إلى الفشل في تطوير صناعة إعلامية وطنية تعنى بالدفاع عن المنجزات وحجم ما تحقق في العشرية الأخيرة من عمر المملكة، وكي تصد التغذية السلبية الراجعة عن عمل الصالونات السياسية المعنية بتخريب الوعي الوطني على خلفية مصلحية بحت.
ونحن شهود عيان على التحول الاقتصادي في شقه الذي يتعلق بما شهده الريف الأردني في عهد الملك عبدالله الثاني، وانتقاله إلى مستوى معيشي أفضل.
ويذكر أبناء الريف والمحافظات كيف كانت الحياة في الماضي القريب معاناة يومية متواصلة، حيث البيوت متواضعة ولا تتعدى في مجملها غرفتان من الطوب، وغالبا ما تكون بلا قصارة، وبلا حمام، وتخلو من مصادر دخل، وتعيش الناس في جانب من حياتها القاسية على إنتاج المواسم الزراعية، والتي لا تغطي تكاليف الحياة الحديثة، وكانت البيوت لا تتوفر فيها أي من أدوات الكهرباء التي لا يخلو منها بيت اليوم، ويتم تبريد الماء من خلال جرار فخارية، وأما أثاث المطبخ فلم يكن يتعدى بابور الكاز، وفي الغرفة المخصصة لاستقبال الضيوف من الغرفتين كانت فرشات الاسفنج تتناثر على الأرضية المبنية من الباطون، ولم تكن الكنبايات قد ظهرت بعد، وأما غذاء العائلة فكان يعتمد أساسا على منتجات بعض الماشية لمن يملكها من اللبن، والزبدة، أو بيض الدجاج الذي كان يملأ القرى. وكان طلاب المدارس يعانون من البنية التحتية المتخلفة التي راعت تصميم المدارس على شاكلة بيوت القرى، وكانت تفتقر للخدمات والماء والمراحيض، ناهيك عن البنية الصحية، وخدمات الطرق، والشوارع. ولم تكن الناس تصرخ من الجوع، ووالله أن الخبز كان لا يتوفر أحيانا، ويتعرض الأهالي، والصغار إلى قلة ذات اليد، ومعاناة تدريس الطلاب الجامعيين تصل كل الجمعيات الخيرية، والهيئات التي تقدم قروضا مذلة لهذه الغاية، ومع ذلك لم يكن احد في هذه القرى ينحو إلى الانتقاد الصريح ليس خوفا من الأجهزة الأمنية فقط، وإنما لوجود حماية اجتماعية للنظام، ناهيك عن المس بالرموز السيادية للمملكة حيث تواجه الناس ذلك بفيض من الاستنكار والاتهام بالعمالة لمقترفيها.
واليوم ألحقت القرى بالنية التحتية الخاصة بالمدن إلى حد ما، ودخلت كافة الخدمات إليها، وتغير شكل البيوت وتصميمها، وغدت تتوفر فيها كافة أدوات الحياة الحديثة حتى الانترنت وصل إلى كثير منها، ولا تخلو من كافة أدوات الكهرباء، ومن الدِّشات أيضا، وغرف الضيوف والنوم، ولا تجد بيتا بلا سيارة، وانتظمت العوائل على موائد الطعام، وأصبح هنالك دخول منتظمة للموظفين رغم أن المواسم الزراعية تعطلت، واختفت الأغنام والمواشي ولم تعد ضمن الدورة الإنتاجية للقرى غالبا، ولعل هذا ما ينقص كي تكون الحياة بمستويات أفضل.
وتمت إحاطة الفقراء بسلسلة من الاجراءات تؤدي إلى ضبط إيقاع حياتهم في إطار يبعدهم عن الحرمان، سواء في رواتب منتظمة تقدم من خلال وزارة التنمية الاجتماعية، أو الحصول على معالجات طبية مجانية، وتأمين صحي، ووصلت إلى بناء بيوت خاصة بهم، وإيصال مواد غذائية شهرية أو نصف سنوية لهم، في عملية متكاملة تجري برعاية ملكية مباشرة.
غير إن دخول القرى على قائمة الحياة الحديثة زاد الفاتورة الشهرية على دخول سكانها، وهو ما يوجب البحث عن إحياء للطبيعة الإنتاجية لها كي تساهم في تغطية فواتير الماء، والكهرباء والاتصالات فضلا عن تكاليف معيشة العوائل، ومتطلبات تعليم أبنائها التي أصبحت من مستلزمات حياة اليوم.
ومن نافلة القول انه لم يعد هنالك حرمان على الوجه الحقيقي غير أن اسر الريف تعاني جراء تكاليف التعليم الجامعي، وهذه قضية عالقة تتطلب إيجاد مظلة وطنية تساهم في حماية حق التعليم لطلاب هذه المناطق، وخاصة البيوت التي تقوم على تدريس أكثر من طالب جامعي، وقد يتجمع على كاهل بعض الأسر ثلاثة طلاب أو أربعة في فترة دراسية واحدة مما يشكل ضغطا حقيقيا على معيشة هذه الأسر. وإنها لمأساة أن يصطف خريجو هذه القرى لمدد قد تصل لعشر سنوات في طوابير العاطلين عن العمل بعد أن أكل تدريسهم الأخضر واليابس
.
ولا شك أن استعادة الخاصية الإنتاجية للقرى يعيد المواسم الزراعية إليها، وتصبح جزءا من دخل القرى ويكون مساهما في تغطية متطلباتها المعيشة في إطار الحياة الحديثة، وكذلك لا بد من إيجاد وسيلة لحماية الحياة الكريمة للأسر التي تعاني من تدريس طلاب جامعيين. والتواصل مع القرى والريف والمحافظات من خلال حكام إداريين، ومدراء، ووزراء أكثر قدرة على التعاطي مع الحاجات النفسية لسكان هذه المناطق حيث بات ضرورة وطنية، وهي التي تضم الأردنيين الذي يمثلون العصب الحساس للدولة مما يجنب الأردن ما يجري اليوم من تغيير موجه ويمكن استغلاله، وهو ما بات يطرأ على روح هذه المناطق التي كانت دوما تمثل الرصيد الذهبي للاستقرار في المملكة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رشاد أبو داوود جريدة الدستور
login |