اليوم وقبل غدا وقبل فوات الأوان يجب التحرك فورا، والبدء بإطلاق جبهة وطنية كبيرة تضم كافة ممثلي القطاعات الشعبية في الأردن بكافة محافظاتها، وتهدف إلى إعلان موقف واضح من مطالبات الإصلاح، وعدم اختلاطه مع أماني بعض القوى التي تسير بخطوات منظمة تؤدي في نهاية المطاف إلى حصر الأردن ليكون موئلا لتسويات إقليمية، تنهي القضية المركزية العربية العالقة المتمثلة بفلسطين على حسابه، والتي بدأت من شعارات دوار الداخلية، وانتهاء بساحة النخيل التي أطلقوا عليها موقعة النخيل، وما تخللها من عدة آلاف من المظاهرات والمسيرات والاعتصامات المتواصلة بهدف إضعاف النظام العام في كثير منها، وجزء منها هي فعاليات في الشارع لأسباب مطلبية بحتة، فضلا عن رفع سقف النقد والبيانات التي استهدفت الرموز السيادية في المملكة، والتصريحات المبطنة على شاكلة ما زلنا نطرح إصلاح النظام السياسي إلى هذه اللحظة، وكذلك الفتاوى التي تعد قتلى المظاهرات بالجنة.
وهذا الحراك الوطني الموازي الذي صار مطلوبا على وجه الضرورة يعمل على وقف ان تنجر البلاد إلى نوع معين من الإصلاح تحاول بعض القوى فرضه على الأردن لتغيير هوية النظام السياسي، والاستيلاء على السلطة باسم الإصلاحات السياسية، وقد تقاطعت مصالح هذه القوى مع الموقف الأمريكي، وربما الصهيوني في وضع نهاية للقضية الفلسطينية على حساب الأردن، والجائزة تكون في حصول هذه القوى على مكاسب سياسية آنية، ودون تقدير لحساسيات الواقع الاجتماعي في الأردن، وقد تجمعت كافة أدوات هذا المشروع، وهي تعزف بإيقاع واحد.
والإصلاح لا يكون حكرا على احد، وهو كلمة فضفاضة قد تحمل في بطنها انقلابا على النظام السياسي الذي ارتضاه الأردنيون، وصنعوه معا، وسبق وحملت القاعدة شعار الدعوة إلى الإسلام، واعتبرت كل من لا يشاركها في هذا الفهم المعين من الإسلام ليس مسلما، وهو ذات الموقف الذي تتخذه هذه القوى والتي استطاعت أن تظهر أن كل من لا يشاركها بهذا الشكل من الإصلاح الذي يخرق الثوابت الوطنية ليس إصلاحيا، وإنما قوى شد عكسي، وحامي للفساد، ناهيك عن بلطجية، ولا ادري لماذا لم تصدر هذه القوى بيانا واحدا أو أن تصرح بشيء ولو على سبيل ذر الرماد في العيون إزاء قطع طريق احد نشطاء مهرجان الولاء الذي أقيم بساحة الريجنسي، وذلك على الدوار السابع، وطعنه من قبل مجموعة أوقفته قصرا في الشارع العام في وضح النهار، وانهالت عليه بالضرب، وإلا يعتبر هذا السلوك بلطجية حزبية، وإرهابا، أم أن هذه القوى تكيل بمكيالين، وماذا يضير احد الناطقين اليوم باسم الشعب لو استنكر الاعتداء على إنسان بسبب فكره ورأيه.
ولذلك لم يعد هنالك مبرر لعدم تنظيم جهود الأردنيين لصد عملية تدمير ثوابت النظام السياسي الأردني، والتي تعمل عليها قوى مستغلة للظروف الإقليمية، وسيجردون الأردنيين من وطنهم، وهم يقومون ببلطجة كبيرة قوامها فرض صيغة معينة من الإصلاح على الأردن باستنفار كافة أدوات هذا المشروع الامريكي، وباستغلال واضح لحالة اللبس التي أصابت الأردنيين إزاء مصطلح الإصلاح، ومكافحة الفساد، والذي هو المعبر إلى شكل جديد من الأردن يتداول فيه الحكم بين أغلبية وأقلية تتشكلان على أساس عرقي مما يهدد الكيان الأردني الذي يتعرض إلى اكبر عملية بلطجة تتعلق بمصادرة إرادة شعبه، والدفع بالأوضاع بالأردن -في حال نجاحه- إلى تدمير وحدة النسيج الاجتماعي، والقضاء على السلم الأهلي.
وهذه الجبهة التي يمكن لها أن تضم خيرة رجالات الوطن، والمثقفين، والوجه الاجتماعي في المحافظات، وكل من يعنيه أمر هذا البلد، ويرفض الاستقواء على الأردن، ويؤمن بروح الإصلاح التي تحافظ على الثوابت الوطنية، وتعمل على الحفاظ على المعادلة السياسية القائمة فيه، وطرح صيغة مقبولة من الإصلاح بعيدة عن ضغط بعض القوى التي التقت مصالحها مع النظام الدولي في هذه المرحلة، وكذلك مواصلة الكيفيات التي تعمل على مكافحة الفساد، واسترداد أموال الأردنيين المنهوبة، وصولا إلى استعادة القاعدة الشعبية التي عملت على هدرها حكومات المرحلة الأخيرة من عمر المملكة، وهي التي حفظت صيغة النظام السياسي لعقود خلت، وأدامت الاستقرار، وقد أدى إهمالها، وإفقادها دورها، واستنزافها كقاعدة حافظة للنظام إلى تهيئة الأجواء التي تسبق تمرير المشاريع الغربية المشبوهة والتي تمس بالمعادلة السياسية القائمة، وقد بدا ذلك بوضوح من خلال إصرار بعض القوى على توهين النظام السياسي الأردني، وإعطاء صورة خارجية عنه بأنه يعتمد القمع، والإرهاب في مواجهة الحريات والحقوق العامة، ليدخل في هذه المرحلة إلى قائمة الأنظمة المهددة شعبيا، وهو محض افتراء حيث ما يزال الأردنيون يواصلون حياتهم المعتادة في كل المحافظات، في حين تعمد القوى التقليدية إلى التظاهر في الشوارع في حالة انفصال واضحة عن الشعب الذي يواصل مجريات حياته العادية اليومية.
ويكون من أولى مهام هذه الجبهة عمل فعاليات سلمية متواصلة لإظهار موقفها من الإصلاح، وماهية الإصلاح المرغوب، ورفض أن يحتكر احد النطق باسم الشعب، وكذلك النزول إلى الشارع وإظهار الرأي الآخر في المجتمع بشكل متواصل ومنظم وتشارك فيه كافة القطاعات الشعبية التي صار لازما عليها ان تعبر عن موقفها، وصولا إلى بلورة هذه الرؤية، وعمل برنامج وطني للإصلاح يراعي المتطلبات الوطنية، ومنع أن تشكل هذه المرحلة جسرا لدعاة الوطن البديل، وأولئك الذين تقاطعت مشاريعهم مع رغبة النظام الدولي في إنهاء القضية الفلسطينية على حساب الفلسطينيين المهجرين وحقوقهم التاريخية وكذلك الأردن البلد الذي يتواصل إضعافه ليلا ونهارا ليكون غير قادر على استبعاد هذه التسويات التي تمسه ووحدة نسيجه الاجتماعي.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رشاد أبو داوود جريدة الدستور