إذا اقبل الليل، ولف المهاجع في ظلمته، وأوى السجين إلى غرفته، وأغلقت عليه الأبواب الحديدية، وداعب النوم جفنيه ، فتلك حكاية من حكايات الحرية، رددها الليل الحزين على مسمع الخائفين، وبوابة الشعب الحزين.

في الليلة الأولى حدث السجن السجين عن قصص الذين تركوا فيه سنين العمر على مذبح الوطن، وفسرت له الحيطان بقايا أسمائهم التي نقشوها هناك للأبد، وكلمته الأقفال عن سجناء غرباء قلوبهم مآذن تدق بالحرية، وأسرت له الزوايا عن حكاية الدمعة الحرى التي سكبتها على موعد مع الشوق عين سجين متخف مضى، وترك في السجن حلمه، والدمعة المقتولة تطلع في كل يوم في حلق السجانين، فالسجن سجل وطني...

هناك كان السابقون في المحنة يغصون بالألم، وفي كل مكان قصة، وعلى كل حيط نقش وطني.

الأماكن لا تنسى، وهي تحدث عن ساكنيها، هل هي خزانة الحزن الوطني، أو سجل المعذبين؟؟؟

أما الساحة فما زالت تردد أسماء من عذبوا فوقها على خجل، وتعترف بصرخاتهم . وهناك تلك الشبابيك سودتها قصص من "شبحوا" عليها . وكل بلاطة تحمل قصة معذب، عذبه عذاب شعبه، وعذبه من عذب شعبه، وعذبه نسيان شعبه لعذابه.

والسجن يحكي، ويحكي، وعين السجين كلما حط عليها النوم جاءتها روح سجين سابق تداعب أحلامها، وتقرأ عليه السجل الوطني منذ أول الوطن، فالسجن سجل وطني، أرواح السجناء فيه حرة تحلق في سماء الوطن العربي الأبهى.

العذابات في السجن لا تموت.. لأنها صارت من الأملاك الوطنية، والسجان، والقفل، والكلبشات، وموعد الزيارة، ووقت التفتيش، والغرفة، والشاويش، والبربيش، ودمعة الأم، ، والابن، والأخ، والوالد، والزوجة، والاحتقار، والأمراض المعدية، والغرف التي تنظفها دموع المساجين، ووقت الغياب، وقطع الكهرباء، وهبوط الليل على جدران المعتقل، والنجمة التي لمعت من السماء، وتراءت من طاقة الباب الحديدي، وهمسها للسجين أن روحه حرة. "إن كل ثانية أخذت من عمر صاحب رأي هي أمانة في عنق العرب".

كل شيء يحدث عن نفسه، وكل دمعة تدل على مكانها، وكل صرخة تحاصر الضمير، وما تزال تحمل هم صاحبها، وتعلن أن عمر السجين لم يذهب هدرا، وانه في ذمة الشعب. حقا إن عمر السجناء لم يذهب هدرا.

حنت الجدران على أصحابها ، والأقفال والشبابيك تحمل أثار من كانوا بها يعدون أيامهم، يرسمون بالوقت، والهم، والحزن المستقبل المفقود، هكذا حدث السجن في لياليه المالحة.

وأوى السجين إلى غرفته، ويقولون إن أغنية الحرية تنطلق من غرفته عبر نوافذ السجن، ويسمعها كل السجناء، وان القمر يلقي عليه مسحة من النور، والضياء،

غنت معه الصحراء... يا ظلام السجن خيم خيم. ولذا نمت أزاهير الحرية على الطرقات. الكل يؤكد انه سمع الأغنية، وان زهرة في داخله نمت اثر ذلك.

ارجع يا صاحبي أينما انتهى بك المشوار فقد اشتاقت لك الديار، ارجع فالطعنة لا يمكن أن تقتل وطنا مات كثيرا.

وإياك أن تتذكر القيود، ارمها عند بوابة السجن، فما الاستبداد بدائم، وقد أزهر الربيع العربي من نبع العيون.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رشاد أبو داوود   جريدة الدستور