إذا ابتعد النقد عن التشهير والتجريح الشخصي، ولم يطال الأعراض، والكرامات، واظهر مؤشرات الاستهتار بالأديان، وإثارة حساسيات المجتمع، وتحريك الفتن، وتفتيت النسيج الاجتماعي، والوطني فهو مباح على الإطلاق، وخاصة إذا انصب على مخالفة السياسات، وحق معارضتها، وإبداء عدم التوافق معها، ومع السياسيين، والمؤسسات التي تتولد عنها السياسات. ذلك أن لا احد في الحياة العامة محصن من النقد، وكل الشخصيات التي تمارس الشأن العام فهي عرضة للنقد على مواقفها التي تتخذها إزاء الشأن العام الذي هو عائد للمجموع، ويتطرق إلى آلية تنظيم حياة الناس السياسية والثقافية، وبذلك تنتفي خصوصية العاملين في الشأن العام، فلا يعقل أن من يعمل على التدخل في كافة قضايا الأمة، ويعلن تصديه لها، يطلب في المقابل لنفسه الحصانة من النقد.
والنقد مباح في الاتجاهين فلا يعقل أن من يمارس النقد ويتسلط على رقاب الفاعلين السياسيين في الحياة العامة يحق له ان يسلم بدوره من النقد، وليس من حق احد أن يعمل لنفسه مناخا أخلاقيا مانعا له من الانتقاد، ويبيح لذاته انتقاد غيره، وهو بذلك يقلب قاعدة النقد التي لا تستثني أحدا من العاملين في الحقل العام إذا التزم بالضوابط الأخلاقية المتوافق عليها، ويقف على رأسها أن لا يتهم احد بناء على رأيه، وان يبتعد النقد عن التشهير والتجريم الشخصي، وان يكون منصبا على السياسات، وبيان مدى موائمتها أو مخالفتها للمصلحة العامة، ولكل حسب اعتقاده وتقديره لحدود هذه المصلحة.
وإذا اتخذ النقد مسربا جرميا، يخرج عن كونه رأيا، ومن حق المتضرر اللجوء إلى القضاء حيث هو الجهة التي تقوم على تنظيم الحريات العامة والخاصة في المجتمع المدني، وتفصل في النزاعات الناجمة عن هذه الممارسة.
وربما إذا التزم النقد بالمعايير الأخلاقية فيصبح موجها لمسار السياسات، ومصوبا للسياسيين، ويقدم جردة حساب للعمل العام، حيث تلاقح الآراء واختلافها ينوع الخيارات، ويعطي الفرصة للتراجع عن الأخطاء، وربما أن شرعية البرامج السياسية تصبح على المحك، وتقل القدرة على تضليل الرأي العام، وفي ذلك يتكون المجال الثقافي للمواطن الذي يقوم على ازدحام المتباينات مما ينوع خيارات الحياة العامة، ويجعلها بوتقة للتغيير والابتكار بدلا من سيادة وجهة نظر واحدة سواء أكانت رسمية أو معارضة تتجه حثيثا لان تتحول إلى رسمية.
لا احد محصن من النقد في الحياة العامة، ومن يخيفه النقد، او يؤثر على مشاعره فيستطيع أن يجلس في بيته، وان يتجنب الدخول إلى المعترك السياسي والثقافي، وبذلك يحتفظ بخصوصيته، ويبتعد عن بؤرة الاهتمام، ولا يعود من حق احد التدخل في سلوكه ما دام يخصه وحده، أو في إطاره العائلي.
دعونا نطلق تصورات حقيقية تحكم قواعد اللعبة السياسية القائمة في المجتمع الأردني، وان نرسخ قناعات وأعراف كي تتشكل أخلاقيات الحياة العامة على وحي من المنطق والعدالة، ولا نبقى عرضة للاهتزازات مع كل نسمة هواء تهب على معترك مجالنا السياسي الهش.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رشاد أبو داوود جريدة الدستور