الدرس الأهم من الانتخابات الأميركية قفزنا عليه، وهو مدى قدرة المجتمع على صنع التغيير، وتحديداً جيل الشباب الذي لعب دوراً ملموساً في وصول أوباما إلى البيت الأبيض.
أوباما، نفسه، من جيل الشباب الذي استفاد من فرص التعليم والارتقاء الاجتماعي- السياسي، من خلال المؤسسات المدنية العريقة.
دعونا نتساءل عن مجتمعنا والحلم الوطني، وتحديداً جيل الشباب؟ سأتجاوز، هنا، الدور الطبيعي للبرلمان في تدوير النخب السياسية، والمساهمة في خلق التغيير، حتى لا أُتّهم بالمساهمة في بلورة "الصورة" الحالية عنه!
ليتركز الحديث، إذن، على صعيد الشعور الوطني والرغبة بالتغيير العام. ففي محاضرته الأخيرة أمام طلاب الجامعة الأردنية ورد على لسان الدكتور خالد الكركي جملة توزن بالذهب الخالص، عندما قال: "الدولة بناها الطبيب والجندي والمعلم".
فقد ساهمت فئات اجتماعية واسعة في بناء مؤسسات الدولة وصناعة "النموذج الأردني"، خلال العقود الماضية. وكانت فرص الارتقاء الاجتماعي والصعود السياسي متاحة، ما حقق للأردن إنجازات تنموية متقدمة على مستوى المنطقة، وخلق روابط وثيقة عميقة بين الدولة والفرد.
ثمة مصانع أساسية تنمّي الوازع الوطني والمعنوي لدى الشباب الأردني ويعمل فيها "صنّاع" للمستقبل، جميع هذه المصانع معطّلة اليوم، بلا أي مردود حقيقي!
بالأمس كان معلّم المدرسة صانع أجيال بامتياز! فكم من وزير ومسؤول وسياسي رفيع كان معلّماً متميزاً. اليوم يُبكى على حال التعليم والمعلّمين. ومع مرور الوقت يسقط ما تبقى من "قدسية" لهذه المهنة في النسق الاجتماعي، حتى في عيون من يقومون بها، من لا يعودون يحظون بمكانة اجتماعية أو اقتصادية معتبرة. وأصبح المتميز هو فقط القادر على كسر قيود الراتب الوظيفي والبحث عن أسباب رزق أخرى.
أمّا نموذج الأستاذ المربي، الذي يملك الغيرة والحمية على الأجيال الصاعدة، من يبني المسرح المدرسي ويؤسس الفرق الموسيقية، ومن يخرّج أجيالاً من الفنانين والأدباء، من يصنع حب القراءة والثقافة لدى تلاميذه، فهذا النموذج أصبح هو "الاستثنائي" الشاذ في أغلب مدارسنا الحكومية، وحتى الخاصة.
أساتذة الجامعات انزوى المبدعون الخلاّقون منهم في مكاتبهم وحياتهم الخاصة، مستنكفين عن الإصلاح والاشتباك بالحياة اليومية في ظل خيبة كبيرة. لم تعد المعامل الجامعية تخرّج أجيالاً مثقفة مسلّحة بالمعرفة والعلم، تشعر بواجب المسؤولية تجاه الوطن والمجتمع، بقدر ما تخرج أجيالاً مغتربة عن الهمّ الوطني، في أغلبها، أو محبطة التجأت إلى حركات متطرفة وأصولية أو حتى إسلامية مستغرقة بالأيديولوجيا على حساب الأولويات الوطنية الحقيقية.
ليس من المبالغة القول إنّ حال الشباب الجامعي اليوم، بين مستهتر بالقيم الوطنية غير مؤمن بها، وبين محبط يحمل روحاً عدمية، وبين أجيال ضائعة تبحث عن الطريق، من دون أن تجد البوصلة!
حتى المحاولات لإعادة بناء جسور التواصل بين الشباب والعمل العام أُجهضت وتراجعت، واحتلت مساحتَها نزعةٌ انتهازية وأشكال خالية من المضمون النفسي والثقافي الحقيقي.
لا أحسب أنّ أحداً يَعُدّ السياسيين المحترفين نموذجاً وقدوة للشباب الصاعد! فكثير من الأحزاب فقدت بريقها وقدرتها، وأخرى أصبحت عنوان الانتهازية والوصولية، أو متمسكة بأيديولوجيا تكسر الانتماء الوطني البِنائي، أكثر مما تبنيه.
مؤسسات المجتمع المدني، في أغلبها، دكاكين مفتوحة للمكاسب الشخصية والحصول على الدعم الخارجي. في حين تعاني المكتبات العامة من ضحالة الزوّار.
ليست "صورة سوداوية" بقدر ما هي محاولة صادقة للنقاش حول من يصنع مستقبل شبابنا ويصوغ شخصياتهم اليوم.. فهل فكّرنا في ذلك؟!..
نعم، نحن بحاجة إلى "عقد اجتماعي" جديد يستعيد الحلم الأردني بالنهضة والبناء.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد