كتب المحرر السياسي لموقع جماعة الإخوان المسلمين على الانترنت مقالاً جديداً بعنوان "أجواء جريمة بشعة تخيم على غزة"، طالب فيه الفصائل الفلسطينية بحوار صحّي، معتبراً أنّ أي اقتتال داخلي "لن يكون إلاّ لصالح العدو"، ومشدّداً أنّه "لا بديل عن الوحدة الوطنية الفلسطينية".
للأمانة، وعلى الرغم من الرحم الأيديولوجي والحركي الذي يجمع الإخوان بحماس، فإنّ البيان جاء متوازناً رفيعاً في لغة الخطاب، بعيداً عن تجريم وتخوين واتهام أحد الأطراف بالعمالة والتسبب بكارثة غزة.
أهم ما في المقال، وهنا بيت القصيد، أنّه يفصل بين الإنساني والسياسي. فثمة كارثة إنسانية، مرشّحة للارتفاع في كلفتها الكبيرة على المواطنين والمدنيين والأبرياء تعيشها غزة اليوم تقتضي من الجميع تنحية الصراعات السياسية والخلافات الفكرية ومنطق الشتم والاتهام والتركيز على رفع المعاناة عن الغزيين.
فالمولود الذي "ازرقّ" في الخداج بسبب انقطاع الكهرباء أمام عيني أمه، والمريض المخطر الذي يعاني من انقطاع الكهرباء، والأحياء المهددة بكارثة بيئية بسبب مياه الصرف الصحي.. هذه الحالات، وغيرها، لا يجوز بأي عرف من الأعراف أن تتحمل تبعات الحصار الإسرائيلي لغزة، ولا يجوز أن تدفع كلفته الباهظة، وهي القضية الرئيسة في خطابنا للرأي العام العربي والعالمي.
للأسف، فإنّ أغلب السجال الإعلامي والسياسي الحالي، على الصعيد الفلسطيني والعربي، ينحو إلى الخلط بين السياسي والإنساني، بل إن كثيرا منه يوظف المعاناة الإنسانية في سياق حملات التخوين والاتهام المتبادلة بين الطرفين، ومحاولة تجيير "المأساة الإنسانية" الحالية لصالح طرف ضد آخر، وهذا أسوأ وأبشع أنواع السجال، إذ إنّه باختصار يهدر قدسية الحياة الإنسانية والحقوق الطبيعية للشعب الفلسطيني لمصلحة "عصبويات" حزبية وسياسية يفترض فيها أن تخدم المجتمع لا أن تحطّمه.
المفارقة أنّ تلاشي المعنى الإنساني للكارثة الفلسطينية يطغى حتى على الحوار داخل المجتمع، وبين الفئات المختلفة. ويمكن أن تلمس ذلك بوضوح في تعليقات القرّاء، التي نقرأها على مواقع النت، حيث يتراشق المعلقون الاتهامات وإسباغ صفة "الشيطنة" على طرف و"عصمة" الطرف الآخر، من دون الاعتراف بالمسؤولية الجمعية (فلسطينياً وعربياً) عمّا آلت إليه الحال من مرور الجريمة الإسرائيلية بصمت دولي رهيب، ومن دون الالتفات أنّ مآلات هذا الصراع - أيّا كان المسؤول- ليست إلاّ في صالح إسرائيل، حتى على صعيد الرأي العام العربي والعالمي.
فهل من أحد التقط الانخفاض الواضح في منسوب تعاطف الرأي العام العالمي مع غزة، على الرغم من بشاعة الجريمة؟ هل يعقل أن تمر العقوبات الجماعية التي تمارسها إسرائيل ضد مليون ونصف مليون من البشر من دون أن تجد حركة تضامنية عالمية معها، بالمقارنة بسنوات سابقة.
الصراع الفلسطيني والسجال السياسي والإعلامي العقيم ألقى بظلاله - كذلك- على حركة الشارع العربي، الذي يبدو ساكناً سلبياً تجاه ما يحدث، من دون أي محاولات للضغط على حكوماته للعمل على رفع الحصار عن القطاع والتخفيف من معاناة الناس.
كم أهدر الفلسطينيون والعرب من شرعية القضية الفلسطينية وإنسانيتها، بسبب سوء إدارة الصراع والنكوص نحو المستويات الدنيا من المصالح المحدودة على سلطة وهمية.
ثمة عمل كبير يمكن القيام به إعلامياً وثقافياً ومجتمعياً لدعم أهل غزة ومساعدتهم، وتوثيق معاناتهم وأبعاد الجريمة الإسرائيلية. أما إذا بقينا ندور في سجالات عقيمة، فلا نلوم إلا أنفسنا، لأننا سنكون نحن – بالفعل- الجناة بحق غزة وجلاّديها الذين لا يرحمون!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد