تشير "تقارير" وتسريبات إعلامية معيّنة إلى أنّ دعوات قد صدرت لقيام الأردن بتولي الوساطة بين فتح وحماس، وتذهب أخرى إلى افتراض وجود وساطة أردنية سرية للتهدئة بين حماس وإسرائيل من أجل عودة التهدئة مقابل التوقف عن إطلاق الصواريخ وإبعاد سيناريو الاجتياح الإسرائيلي. لا تغفل تلك التسريبات الغريبة الإشارة إلى أنّ هذه الوساطة تمثل "بديلاً" عن الدور المصري الحالي، وتحديداً في غزة.
من حيث المبدأ؛ فإنّ المصلحة الحيوية الأردنية تتمثل في المصالحة الوطنية الفلسطينية، وإزالة حالة الانقسام واستعادة وحدة المشروع الفلسطيني في مواجهة إسرائيل، والإبقاء على إمكانية الدولة الفلسطينية قائمة، وربما يمتلك الأردن من الأوراق العديدة التي تجعل من فرص نجاح الوساطة معقولة.
في المقابل؛ فإنّ مصادر رسمية وموثوقة رفيعة المستوى تؤكّد عدم صحة تلك التقارير، وعلى أنّ أية جهود أردنية لن تتم إلاّ بالتنسيق مع الحكومة المصرية، وبالتكامل مع دورها، لا على حسابها.
فالحرص الأردني على المصالحة الفلسطينية يوازيه حرص كبير على صفاء أجواء العلاقة مع مصر، وتفويت الفرصة على أية جهود لـ"تضليل الرأي العام" حول العلاقة بين البلدين، في ظل الضعف العربي الواقع أصلاً.
خطورة تلك التقارير أنّها تأتي في سياق فشل حوار القاهرة بين حماس وفتح، وارتفاع حدة التلاوم بين الطرفين، بالتوازي مع ملامح أزمة صامتة (غير معلنة رسمياً) بين حماس والحكومة المصرية، وكأنّ الدور الأردني بمثابة إعلان فشل للدور المصري.
الأخبار الجيّدة أنّ قيادة حماس نفت عرضها أية وساطات بديلاً عن مصر في الحوار مع حركة مع فتح أو مع الجانب الإسرائيلي، ما يؤكد أنّ تلك التقارير غير صحيحة، وأنّها لا تستند إلاّ إلى تخمينات وتسريبات تفوح من بعضها رائحة "أجندة واضحة" تريد الإيحاء بتدهور علاقة الأردن مع دول عربية صديقة في الفترة الأخيرة.
المفارقة أنّ هذه التسريبات تأتي بعد بعض التقارير "الغريبة" التي تحدثت عن فتور وجمود في العلاقات الأردنية- السعودية، ما تنفيه مصادر رسمية أردنية جملة وتفصيلاً، ولا تصادق عليه أية أرقام أو معلومات أو وقائع، وأسوأ ما في تقارير بعض الصحف الإحالة دوماً إلى "مصادر موثوقة"، فيما توحي المعلومات الواردة فيها أنّها في أفضل الأحوال مصادر "موهومة".
على النقيض من ذلك تماماً؛ فإنّ الدبلوماسية الأردنية تتمع اليوم بعلاقات دافئة وحيوية مع الأقطار العربية كافة، وتربطها مصالح استراتيجية مشتركة بكل من السعودية ومصر، وقد قامت باستدارات تكتيكية هادئة، من دون أية اهتزازات خطرة، وأنجزت مهمة كبيرة تتمثل في الخروج من "سياسات المحاور الإقليمية"، التي وسمت المرحلة السابقة، والأهم من ذلك ملء الفراغ الدبلوماسي في علاقات الأردن مع دول عربية أخرى، تحديداً سورية والحكومة العراقية الجديدة وقطر التي تجاوزت معها الأردن غمامة الصيف بصورة كاملة.
بالتأكيد علاقة الأردن مع حماس لن تكون على حساب مصالحه الاستراتيجية، ولا علاقته بالرئيس عباس، وعلاقة الأردن بقطر وسورية ليست على حساب أي طرف عربي آخر.
ما يجري اليوم هو باختصار "حراك تكتيكي في المربعات الاستراتيجية" الأردنية التاريخية المرسومة بدقة وبعمق مبني على إدراك لطبيعة الموقع الجيواستراتيجي وتحدياته ومصادر التهديد المختلفة.
النقلة النوعية في الدبلوماسية الأردنية خلال الشهور الأخيرة تمثل استعادة السياسة الأردنية المعروفة بالاشتباك الإيجابي والحياد الصحي في كثير من الملفات الداخلية لدول أخرى، فضلاً عن نزع بؤر التوتر والأزمات مع الأشقاء العرب، وهذه السياسة تحظى بإجماع رسمي وشعبي وتلقى ارتياحاً كبيراً في الأوساط السياسية العامة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد