الدولة التي تفتقد الى الحكم الرشيد - وهو بهذا المعنى الحامل الطبيعي لبرنامج مستخلص من اصوات مواطنيها ويكون الضامن لتحقيق مبدأ العدالة، والمساواة ، ويعنى بتفعيل قدرات الافراد والهيئات، ويطلق طاقات شتى القطاعات، ويحدد نظرة الدولة الى الحقوق والحريات الاساسية، ويكون قادرا على ان يصيغ دورها ضمن حدود امكانياتها، ويولد في اجيالها الشابة دافع العطاء والابداع، ويكون محفزا لعلمائها، وادبائها، ومثقفيها ممن يصنعون روح الامة المبدعة. ويرسم الاطار الذي يحدد مجالاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وفقا لدرجة وعيها، وتطلعاتها المستقبلية - هذه الدولة الفاقدة للحكم الصالح، ومعانيه السالف ذكرها ستظل تعاني في مجال الشرعية وتعيش حالة من التخبط ، وانعدام في التخطيط، وتناقض توجهاتها السياسية التي تهبط بروحها المعنوية، وستكتنفها عوامل الشلل، والعجز والانكفاء، والتراجع، والفشل في التواصل مع شعبها، وستكون اجيالها رهينة للتطرف ، وتتقلص مساحة الامل في نظرتها، وهي تصبح في طور الانحدار، والتشرذم، يلفها عدم الوضوح في الرؤية، وستغرق في التفاصيل الصغيرة، وتظل تحبو بعيدا عن الاهداف الكبيرة القادرة على توحيد قواها الحية ، وتحفيزها وشحذ الهمم ، ورفع معنويات الافراد وستضيع فرصها في التنمية، والتحديث، وتطوير قدارتها من خلال رفع مؤشر الروح المعنوية لدى افراد شعبها.

ومرد ذلك الى الفشل في فهم الحالة الشعبية، واجتراح ما يناسبها من سياسات، واعتماد غير مبدأ الكفاءة في شغل المواقع العامة مما يضعف الروح المعنوية والطموح لدى الاجيال الشابة وهو ما يحرم الدولة من طاقات ومبادرات ابنائها، ويكون طبقة من محدودي الرؤية في مواقع صنع القرار واثر ذلك السلبي في عملية الحكم، وعدم اسنادها بطاقات وقدرات جديدة فتتحول العملية السياسية الى بوتقة من الاخطاء، ولا تلبي طموحات الاغلبية الشعبية.

وتضمر الدولة مع مرور الايام وتضعف روحها المعنوية وتستولي عليها المعيقات، وتعجز عن مواجهة التحديات، وتفشل في مجاراة التغيير، والتساوق مع متطلبات الزمن، وهي دولة لن تقوى على مواجهة الظروف، وستجد العجز الذي صنعته بشعبها، وقتلها لاندفاعات اجيالها اكبر مؤثر في تحديد مصيرها ذلك انها تصبح مكشوفة، وفاقدة لشرعية الانجاز، ولا تعود محمية بهمة الشباب.

وهي دولة تتفجر تناقضاتها الداخلية بقسوة، ويمس نسيجها الاجتماعي الوهن، وستعاني من تفتت وحداتها الاجتماعية لعدم وجود اهداف كبرى قادرة على تفعيل روحها العامة، وصناعة ادوار خاصة بكل القوى بما يجنبها الدخول في التجاذيات غير اللازمة، وهدر الطاقات فيما لا طائل منه.

والدولة التي يسودها التناحر الداخلي تكون فشلت في نقل تناقضاتها الى الخارج، والحفاظ على سلامة كيانها من العطب، وذلك لعدم قدرتها على تكوين مؤسسات منبثقة عن الارادة العامة التي تكتنف اعماق المجتمع، والتي يصار الى تجسيدها في العملية السياسية المعبرة عن برنامج الشعوب، وتكون المؤسسات خلاصة اصوات المواطنين، وصناديق الاقتراع التي تضمن تفعيل الروح السياسية الكامنة في المجتمع.

هذه الدولة تخطأ شروط البقاء، وستكون معرضة للهزات، والاضطرابات، وستفشل في كسب رضا شعبها، والذي سيعاني من الاحباط، والجمود، وزوال الامل وصولا الى الانفجار فجأة وسيادة اجواء الفوضى، والتوتر، والبحث عن جديد يجنبها الاستنزاف.

لذا تكون مهمة قيادة الشعوب عملية عسيرة تحتاج لرؤية، وعمل دؤوب، وتواصل اجتماعي، وقراءة مستمرة لعقل الشارع، والفهم النفسي لنزعات الاجيال، وتحديد طموحات الناس وقيادتهم من خلالها، وهي تقاس بنتائجها، ومالاتها.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رشاد أبو داوود   جريدة الدستور