كانت امريكا إلى سنوات قليلة مضت عدوة الأمة، وراعية الإرهاب الدولي ، واليوم باتت صديقة الشعوب، وراعية نزيهة لتحررها، وداعية الديمقراطية، وحقوق الإنسان الأول في المنطقة.
وطلب التدخل الأجنبي كان حراما، ويوصف - أي التدخل- بكونه غزوا صليبيا، وقد تحول اليوم إلى جائز، وحلال. بل والى مطلب عربي ملح، ويتم اعتباره موقفا مشرفا للمجتمع الدولي.
قرارات الأمم المتحدة كانت رمزا للظلم والقهر، والتسلط. والمنظمة الدولية ما برحت أداة ضد الحق العربي، ويحمل لها العرب مشاعر الكراهية حتى صارت قراراتها اليوم مطلوبة بشغف في سياق التحرر العربي، والتأخير في إصدارها مدعاة للشعور بالغضب والعتب.
و”روسيا، والصين” التي عاملها الشارع العربي لعقود بصفتها صديقة للحق العربي في المحافل الدولية، فقد أصبح الفيتو الذي تشهره في وجه امريكا محط إدانة، وسخط.
أما الجامعة العربية التي تحمل في الذاكرة العربية ندوب تسهيل غزو العراق، وتدميره، وعملت تاريخيا ضد الدول العربية ذات الطبيعة الاستقلالية، فقد أصبحت اليوم تلبي النداءات العربية في سعيها لجلب التدخل الأجنبي إلى دولها.
والى ذلك فإن المعاهدات مع إسرائيل التي كانت تعتبر تطبيعا، وتفريطا بالمقدسات، فاليوم تحولت إلى “اكراهات السلطة”، وجزءا من المعاهدات الدولية التي يجب الحفاظ عليها، وملحقاتها من السفارات ، والسفراء الصهاينة، والعلاقات الاقتصادية.
فيما صندوق النقد الدولي الذي كان أداة للامبريالية في تكبيل اقتصاديات الدول الفقيرة، وفرض الشروط المذلة على سيادتها، وقروضه تعتبر ربوبية بقدرة قادر تحول إلى مساند للدول الفقيرة، وإقراضه لها يمثل شهادة على قوة اقتصاد تلك الدول المقترضة ، ومدعاة لجذب الاستثمارات، وفوائده ليست ربوية، وإنما هي خدمات عادية على الدين، وشروطه تهدف إلى تحسين الأداء الاقتصادي للدول المقترضة، وليس لسحق الطبقة الكادحة كما كان عليه الحال في الماضي.
في لحظة تغير العدو فلم يعد إسرائيليا أو أمريكيا في المقام الأول، وإنما النظام المطلوب تغييره، وإيران، والشيعة، والصديق الأقرب للشارع العربي بات الدول الغربية- الاستعمارية تاريخيا- ومواقفها المؤيدة للتغيير.
ومن يدعم الأنظمة الإسلامية الناشئة هو العدو التقليدي للإسلام المتمثل بأمريكا ، وتكون هيلاري كلينتون أول من يصل للتهنئة، وللتأكيد على قوة العلاقات الثنائية، ويصار إلى شطب الديون، وتقديم المنح، والمساعدات العاجلة، وتحظى هذه الأنظمة - المشكلة من أحزاب كانت تقاطع غربيا - اليوم بحفاوة بالغة في العالم الغربي.
والأعجب من ذلك أن التنسيق الأمني مع إسرائيل لم يعد “صهينة”، وإنما هو من متطلبات عملية الحكم، واشتراطاتها.
كل شيء تغير بلمح البصر، وتمكن الإعلام من أن يقلب وجهة الشارع العربي، فلم يعد المقاوم مقاوما، وإنما قاتل لشعبه، وبات استقدام الغرب برغبة للتدخل في شؤون الدول العربية التي تعمها الاضطرابات على اثر التحريض أمرا طبيعيا.
وهو ما يؤكد انفصال السياسة عن الأخلاق، وان الشعارات شيء، وممارسة الحكم شيء أخر، وان الميكافيلية هي الوجهة الحقيقية في السياسة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رشاد أبو داوود جريدة الدستور