إحدى المفارقات التي يذكرها لي صديق مصري أنّ المثقفين المصريين كانوا عندما يزورون كوالالمبور (عاصمة ماليزيا)، في ستينيات القرن الماضي، يعودون ليتحدثوا عن الفرق الشاسع لصالح المصريين. لكن من يرى كوالالمبور اليوم والقاهرة لا يمكنه المقارنة بين المسافة الفلكية الشاسعة التي قطعتها كوالالمبور إلى أمام والقاهرة إلى وراء!
الحال في الدول العربية لا تختلف نوعياً داخلها، بقدر ما تتباين في مستويات الأزمة والسوء، فيما تمتاز المؤشرات جميعها بغياب للديمقراطية الحقيقية، وتهاون في حقوق الإنسان وكرامته، التضييق على الحريات العامة، فشل في برامج التعليم والتنمية والاقتصاد، فشل في بناء الدولة الوطنية والهوية السياسية المدنية.
لا نضيف جديداً، فذلك الهم هو محور الفكر العربي الحديث والمعاصر، لكنه موضوع مؤلم ومحزن، يتجاوز الاهتمامات الفكرية، ويمس مستقبلنا وحياتنا، يبدأ من الخلل في جوهر رؤيتنا الدينية والثقافية والاجتماعية، ويصل إلى عدم قدرتنا على إدارة حياتنا اليومية بصورة سليمة!
بيت القصيد: أنّ الأزمات التي نواجهها ليست مرتبطة بالحكومات فقط (مع إدراك الدور المدمر للاستبداد السياسي)، بقدر ما هي مرتبطة بثقافتنا الاجتماعية. فمشروع النهضة والتنمية بعيد المدى يبدأ من تغيير ثقافات الناس وعاداتهم وأفكارهم وصولاً إلى تغيير واقعهم السياسي.
الديمقراطية لا تولد في لحظة، ولا في انتخابات تكرّس الواقع الاجتماعي المتخلف بدلاً من تغييره! فالديمقراطية نظام حياة، له أرضيته وشروطه ومقدّماته، يتأسس على قيم مدنية إنسانية، ويأتي بعد مخاض عسير في ثقافة الناس وأفكارهم.
هنا، تحديداً، تتبدى بجلاء المهمة التنويرية الغائبة للإعلام، التي تدفع الناس إلى التغيير والإصلاح، وتنتقد الوسط الاجتماعي والثقافي، فلا تعلّق الناس دوماً في سلبية انتظار الحكومات والتغييرات الرسمية.
تلك المهمة الجليلة، أدركها الجيل الإصلاحي النهضوي (في بدايات القرن العشرين) في دورهم الديني والاجتماعي وخطابهم الإعلامي والسياسي. وتكاد هذه المهمة تختفي اليوم لاستنكاف العلماء والأكاديميين والإعلاميين والمثقفين عن وظيفة التنوير والتغيير الاجتماعي، وانخراط الحركات الإسلامية في الصدامات السياسية على حساب المشروع الإصلاحي التجديدي.
في مقاله "كذبة الفقر والبطالة" طرق الزميل نضال منصور موضوعاً مغيّباً عن الحوار الإعلامي والوطني الأردني، بالرغم من أهميته ودلالاته. فقد أورد أرقاماً مذهلة وصادمة عن حجم الاستهلاك في السياحة والعمالة الوافدة (عاملات المنازل والعمالة العربية) والاتصالات الخلوية ومظاهر البذخ والأنماط الاستهلاكية، التي لا تتناسب مع دولة نامية من العالم الثالث، محدودة الموارد المالية والطبيعية، هذا بعيداً عن حجم الفساد الإداري والتهرب الضريبي الكبير.
وفي تصريح خاص لأمين عمان، قبل فترة قصيرة، كشف عن ترخيص دائرة السير لـ(75) ألف سيارة، خلال عام واحد، وهو رقم كبير لدولة بإمكانات الأردن ونسبة لعدد سكانه.
وقد لاحظتُ في أمستردام أنّ أغلب الناس هناك لا يستخدمون المركبات الخاصة، إنما الدرّاجات الهوائية ووسائط النقل العام، حفاظاً على الصحة والبيئة وتوفيراً للنفقات، وفي أميركا يقتصد الناس في المكالمات الهاتفية كثيراً، تجنباً للنفقات.
بالطبع، لو كانت هنالك نظرة إعلامية خارج خُرم إبرة القضايا المكررة، التي نجترها كل يوم، في مقالاتنا وتحليلاتنا السياسية، لطُرحت موضوعات النقل العام والطاقة والمياه والتنمية والعمل والمواطنة والوقف ودروه في التعليم وتطوير التعليم، وثقافة القراءة والمشي والعمل التطوعي المنتج، وغيرها من قضايا وقيم أساسية بعيدة عن الموضوعات الإعلامية، رغم أنّها تمس مستقبلنا وحياتنا بصورة وجودية.
نحن بالفعل بحاجة إلى "ثورة جذرية" في أفكارنا وثقافتنا الاجتماعية تعيد تأسيس رؤيتنا للحياة ولقيم العمل والإنتاج، والعلاقة مع الله والكون والمجتمع والدولة والإنسان. هذه الثورة تتأسس على خطاب تنويري يجعل من الدين عاملاً محفّزاً للتطور والنهضة والتنمية، وفي تغيير نمط الاستهلاك والتعامل مع تفاصيل الحياة كافة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد