ما جرى في مصر من عزل الرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي من قبل العسكر بدعوى تنفيذ مطالب الشارع يعيد الى الواجهة تعريف الشرعية ونقيضها. وهو ما يستدعي التوقف طويلا امام ظاهرة الشارع العربي، وهو منبع الحراك الحيوي الذي احيا في الامة روح الامل، ودفعها الى مديات من التغيير، واعاد تصويب احوالها السياسية في مواجهة حالة الجمود التي اصابت الحياة السياسية العربية.
ومرد ذلك الى تكلس الانظمة، وعدم استجابتها لمطالب الشعوب العربية فيما يتعلق بحقوقها وحرياتها الاساسية.
وكان العرب يتوقون للتغيير وخرجت الجماهير، وملأت الميادين، وحققت هذه المرحلة التاريخية مطالب عظيمة كانت تصل في نظر الكثيرين حد المستحيل. وعلى رأسها العودة للصناديق لفرز السلطة، وهو ما كان اقرب الى الخيال.
واذا كانت حركة التغيير تستمد شرعيتها من انتفاء الشرعية عن النظام القائم، وتنكره لحقوق الشعوب فان رجوع العملية السياسية الى صناديق الاقتراع يحل عقدة الشرعية، ويعطي الناخبين حق تشكيل السلطات، ومراقبة اعمالها. وبالتالي يعود الشارع الى مهمته المعتادة، والذي كان دخوله الى الحياة العامة بصيغة استثنائية فالاصل ان الامة تمارس العمل السياسي من خلال نخبها واحزابها، ونقاباتها، وعندما تفشل هذه الاطر في تشكيل النظام السياسي العادل يدخل الشارع على خط العمل السياسي لاعادة تصويب المسار، وبعد انهائه للمهمة يعود لسابق عهده.
اما ان يدخل الشارع في مواجهة أي نظام بغض النظر عن طريقة تشكيله فهذا يفتح باب الشرور كلها، والمتمثلة بسقوط النظام العام. وهذا يعيد الى الذاكرة فكرة الفوضى الخلاقة التي تحدثت بها الادارة الامريكية بشأن هذه المنطقة فما من دولة في العالم او جماعة بشرية يمكن لها ان تفقد النظام لليلة واحدة، وتعيش حياة طبيعية.
واذكر أنني كتبت في السنتين الماضيتين منوها إلى أن ما يجري في المنطقة العربية ليس سقوط النظام ، وإنما سقوط النظام العام، وهو جملة القوانين والأنظمة التي تحكم، وقد وصلنا لحالة عربية مفادها أن الخروج على الحكم لم يعد يتعلق بنظام غير شرعي، وإنما التمرد هو قاعدة تعمم على كل الأنظمة، وان كل من لا يعجبه القانون بغض النظر عن كيفية تشريعيه فمن حقه ان يكسره، وقد قلت في إحدى مقالاتي ان هذه الحالة ستواجه كل نظام يفرز في سياق المنطقة، وسيجد نفسه أمام حالة شعبية لا تقبل الانضواء تحت أي سلطة كانت ذلك أن ما سقط في المنطقة العربية ليس النظام، وإنما النظام العام، مع الأخذ بعين الاعتبار أن جيلا عربيا خرج ، وقد كسر حاجز السلطة بالمطلق، ليست السلطة السياسية فحسب، وإنما كافة السلطات المعنوية ، وربما أن هذا هو نموذج الفوضى الخلاقة الذي يصار إلى تعميمه في المنطقة استغلالا لحاجة العرب الملحة للتحرر ، والانعتاق، وإعادة السلطة المنفلتة إلى نطاق الشعوب، وصناديق الاقتراع.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رشاد أبو داوود جريدة الدستور