كنت خلال الأسبوع الماضي في زيارة إلى سويسرا، مع وفد إعلامي أردني، للاطلاع على جوانب من النظام السياسي والاقتصادي والثقافي السويسري. هنالك بالضرورة "خصوصية" للتجربة السويسرية، تستحق القراءة والدراسة، والحوار عنها هنا، لكن هنالك ملاحظات عامة تمثّل نقاطاً فاصلة واضحة بين المجتمعات العربية والغربية.
الملاحظة المتكررة التي تتشاركها دوماً مع أصدقاء آخرين، عند معايشة أي مجتمع غربي آخر، تبدأ منذ صعود الطائرة، إذ تجد أنّ أغلب الركّاب "الغربيين" يمسكون بكتب وروايات، ويقرؤون في أغلب الوقت، حتى في القطار والانتظار، وفي الباص، وفي السوق الحرّة في المطارات يتكاثرون في المكتبات.
ظاهرة بسيطة، لكنها مهمة جداً، متعددة الأبعاد والدلالات، وتختزل المسافة الشاسعة بيننا وبينهم!
الاهتمام بالكتاب يعكس التعطش إلى المعرفة، والتزوّد منها قدر المستطاع، والحرص على الوقت واحترام الهدوء الذي توفّره القراءة، وحماية الخصوصيات عندما ينشغل كلّ إنسان بما ينفعه، ويبتعد عن اللغو والتدخل بشؤون الآخرين والنظر إليهم.لدينا، الحال معكوسة. أغلب الناس في محطات الانتظار، في الباصات، والشارع، يتحدّثون بالهاتف المحمول، أو يثرثرون أغلب الوقت فيما لا ينفع ولا يضر، يندر أن تجد في تلك المحطّات أو في الباصات من يحمل كتاباً يقرأ فيه.
الاهتمام بالوقت لدينا معدوم، تماماً، حتى في الزيارات واللقاءات والمواعيد، وإذا كان الأمر يمسّ بصورة مباشرة ثقافة الإنسان العربي، فإن هذه الثقافة ذات مردود اقتصادي مباشر، أيضاً، وتوضّح طبيعة العلاقة الملتبسة المعقّدة المتناقضة لدينا بين الإنتاج والاستهلاك.لنعد مرّة أخرى إلى شوارع عمّان: كم راكبٍ وماشٍ يتحدّث بالهاتف لساعات طويلة، بما يحمله هذا الحديث من كلفة مالية كبيرة، لا تتناسب بالضرورة، مع الدخل الشهري لأغلب هؤلاء، فتأتي فاتورة الهاتف متغوّلة على قدرة الإنسان على الادخار وتأمين حاجات أخرى. وهي ملاحظة جزئية على هامش الخلل في الدورة الاقتصادية العربية عموماً.
احترام الوقت وقيمته، وأهمية الثقافة اليومية، مسألة تتداخل، أيضاً، مع مختلف جوانب الملاحظة الحضارية. ففي سويسرا أغلب المحلاّت التجارية تغلق أبوابها مع السادسة مساءً، ودوام الناس يبدأ منذ الصباح الباكر، وتكاد تجد كثيراً من الشوارع خاوية في ساعات الليل. وتتغلغل في تفاصيل الحياة كافة، ثقافة احترام النظام والوقت والخصوصيات والعمل والإنتاج.
يلخّص دلالة هذه الملاحظة العابرة المفكر البحريني، الأستاذ محمد جابر الأنصاري، عندما يحدّد مشكلة الإنسان العربي في أننا "نطالب بكنس الإمبريالية من بلادنا، ونحن لا نكنس أبواب بيوتنا"، وإذا كنا نواجه تحديات تاريخية، فإنّنا عاجزون عن إدارة حياتنا اليومية. التفكير في المستقبل يتطلب مراجعات ثقافية نقدية قاسية، تدفع إلى استعادة روح خطاب الإصلاح الديني، الذي يؤسس لنقلة اجتماعية وأخلاقية واقتصادية وسياسية. يقول مالك بن نبي "مشكلتنا ليست فيما نستحق من رغباتنا، بل فيما يسودنا من عادات، وما يراودنا من أفكار؛ وفي تصوراتنا الاجتماعية، بما فيها من قيم الجمال والأخلاق".
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد