يدفع وجود شبهات فساد أمام القضاء اليوم، في مشروع توسعة المصفاة ووزارة الزراعة، إلى وقفة مراجعة عميقة، بخاصة أنّ ذلك يتضافر مع معلومات وتسريبات عن شبهات فساد في وزارات ومؤسسات أخرى، ما تزال قيد الدراسة والتحرّي.
تحريك مؤسسات وسياسات وقرارات مكافحة الفساد وتفعيلها بمثابة ضرورة وطنية اليوم، ليس فقط حماية للمال العام من المصالح الشخصية والإهمال والتلاعب، بل حتى لتغيير "الصورة النمطية الشعبية" السائدة بوجود "حصانة سياسية" للفساد والمفسدين، وبعدم جدّية هذه السياسات.
قبل مكافحة الفساد، فإنّ تكرار الحديث (والادعاءات) عن انتشار الفساد على المستويات الدنيا والوسطى، خلال السنوات الأخيرة، يدفع إلى التفكير والنقاش بالأسباب والشروط التي أدّت إلى ذلك، بخاصة أنّ استطلاعات الرأي تظهر (بوضوح) تجذُّر قناعة لدى الرأي العام بانتشار الفساد، في كُلٍّ من القطاع العام والخاص.
سيقطع علينا الحبل، كالعادة، فريق من "المخذِّلين" بالقول إنّ الفساد ظاهرة عالمية منتشرة في كثير من الدول والمجتمعات، فلا تضخّموا من تداعياتها. وهذا صحيح سطحياً، إلاّ أنّ الفساد في الدول المتقدّمة (كما هي الحال في اليابان والولايات المتحدة) محصور في نخب سياسية واقتصادية محدودة، وبنسبة ضعيفة مقارنة بالدورة الاقتصادية هناك.
أمّا انتشار صور الفساد وتسربها إلى الدوائر البيروقراطية الوسطى والصغرى فذلك علامة على وجود أمراض قاتلة، تصاب فيها الدول المختلفة والمترهلة في قاع العالم الثالث.
هيبة الموظف العام وصورته اليوم لم تعد كالسابق، وهذا انعكاس مباشر لتراجع أهمية القطاع العام ودوره في الدولة، وللنظرة الفوقية التي حكمت رؤية النخبة الاقتصادية النافذة (سابقاً) له.
ذلك أدى إلى تدمير الطبقة الوسطى في القطاع العام، وعدم قدرة الغالبية العظمى على التكيف مع الظروف الاقتصادية، ثم اللجوء إلى أساليب أخرى من التحايل على هذا الوضع، من خلال أحد مداخل الفساد!
المقلق حقّاً أنّ انتشار دعاوى الرشوة والفساد في القطاع العام يؤشّر على تهشُّم القيم الوطنية والدينية التي تمثّل سياج الحماية الأساسي للدولة، وهي قضية تأخذ أبعاداً أمنية وسياسية واجتماعية، وثقافية.
لاحظوا أنّنا مهما حاولنا تدوير الزوايا، من مشكلات التعليم إلى التعليم العالي إلى العنف الاجتماعي، إلى المعضلات الاقتصادية ونمو الهويات الفرعية وصعود الأصوات المطلبية الاحتجاجية لفئات واسعة، سنجد أنّها أوجهٌ لأزمة أوسع وأكثر تجذُّراً تنبع من ضبابية "الرؤية" (أو غيابها)، وعدم وجود توافق وتفاهم وطني عام على الأسس التي تحكم المسار المستقبلي، بعد أن جرت مياه كثيرة تحت الأقدام.
المفتاح الوحيد لمواجهة تلك الأزمات البنيوية هو جعل الهدف الرئيس لنا في المرحلة المقبلة بناء دولة القانون والمؤسسات والشفافية والمواطنة، بدلاً من منطق الشللية السياسية والغموض وأسلوب "الصدمات والمفاجآت" الذي جرّ علينا كل هذه الأزمات، وذلك لا يتم إلاّ بخطوات ثابتة راسخة في الإصلاح السياسي البنيوي!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد