بـ"العدمية" و"السوداوية" و"جلد الذات" و"التهويل" يصف مسؤولون وسياسيون الأقلام التي تسلّط الضوء على الأزمات والتهديدات ومواضع الخلل في السياسات الرسمية.
إذ ما يزال هنالك فريقٌ سياسي يؤمن بـ"فلسفة النعامة" وتجاهل المشكلات الضاغطة، على قاعدة أنّها أمرٌ طبيعي، وأنّ البلاد تجاوزت ما هو أسوأ منها تاريخياً.
خطورة تلك "الفلسفة" السائدة، لدى اتجاه عام من المسؤولين أيضاً، أنّها ترحّل المشكلات وتراكمها وتجذِّر الأزمات إلى أن تصبح معضلات يتطلب حلّها خيارات مكلفة وجراحات قاسية وبدائل أصعب مما لو تمّت مواجهتها منذ البداية.
فلنتفق، بدايةً، بأنّ "فلسفة النعامة" لا تخدم الدولة ولا المجتمع، وأنّها فلسفة كارثية في "مفترق الطرق" الراهن الذي تقف عليه الأردن.
في المقابل، يموضع سؤال "أين أخطأنا؟" السجال في مساراته الصحيحة، فهو سؤال المرحلة الذهبي ويقع في صلب المراجعات الداخلية المطلوبة، لإحداث نقلة نوعية في المقاربات الراهنة، وإجراء الجراحات المطلوبة القاسية، وصولاً إلى بناء رؤية صلبة متماسكة لمستقبلنا، بدلاً من حالة التشتت والفوضى الراهنة التي أودت بنا إلى سلسلة أزمات بنيوية قاسية.
سياسياً، أخطأنا بتجاهل القيام بالإصلاحات المطلوبة واستئناف المسار الديمقراطي من تعزيز للبرلمان والأحزاب والحريات السياسية وحقوق الإنسان. بدلاً من ذلك تضخّم الدور الأمني بصورة مبالغ بها، فحطّم هيبة المؤسسات السياسية الحيوية. غطست وراء ذلك قناعة خاطئة لدى المسؤولين بأولوية الاقتصاد على السياسة، ما خلق فجوة واسعة بين التحولات الاقتصادية والجمود السياسي الذي أنجب هذه الأزمات الهائلة.
اقتصادياً، تركنا ما يمكن إنجازه فعلاً، واستُنزفنا ببيع الأوهام والأكاذيب من مشروعات خيالية، وزدنا من اعتمادنا على المساعدات الخارجية، فخرجت ميزانية نفقاتنا عن حجمنا الطبيعي، وحدثت اختلالات كبيرة في سوق العمل وفي العدالة الاجتماعية، وفقدنا التوازن في خياراتنا الاقتصادية بصورة جليّة.
بين هذه وتلك دفعت قطاعات واسعة أثماناً كبيرة لهذه الأخطاء، في مقدمتها القطاع العام الذي أصبح مترهّلاً، مثقلاً بالأزمات، فيما انحسرت وانكمشت الطبقة الوسطى، التي كانت أحد أعمدة الاستقرار السياسي.
الهوية الوطنية كانت ضحية رئيسة لهذه الأخطاء، وانعكس ذلك مباشرةً على الاستقرار الاجتماعي، فانفجرت أحداث العنف الاجتماعي والجماعي، ونمت الهويات الفرعية، وتراجعت هيبة الدولة وسيادة القانون وعدنا عقوداً إلى وراء.
التعليم والتعليم العالي دفع ثمناً لعقلية الوصاية الأمنية من جهة، وللإدارة التجارية وإهمال الجوانب الحيوية في المجتمع من جهة أخرى. وبعد أن كان الأردن مرشّحاً في فترة معيّنة ليكون "هارفارد المنطقة"، فإذا به يواجه أزمات وتحديات قاسية لمستقبل التعليم وجودته.
"أين أخطأنا" سؤال يفتح الباب على نقاش وطني واسع جداً، لكنه مطلوب، ويخلق مقاربات متعددة للإصلاح والتصحيح، ويمثل شرطاً أساسياً لمواجهة التحديات الملحة والتهديدات المُشْرِفَة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد