لدينا مشكلة تواصل حقيقية في الدولة والمجتمع بين المسؤولين والمواطنين والجامعات والمجتمع المدني. جوهر المشكلة ليس غياب التواصل الفيزيائي، بل الموضوعي، فهنالك قطيعة بين الجميع، ومؤسسات ومسؤولون كأنّ كلاًّ منهم في "جزيرةٍ معزولةٍ" عن الآخرين.
العنوان الرئيس لكل ما يقال أو يكتب هو "حوار الطرشان". وإن لم يكن كذلك؛ فأين ذهبت أكوام الحديث والنقاش والسجال السياسي والإعلامي وورش العمل والملتقيات الوطنية المتعددة عن العنف الجامعي، وعن التدهور في مستوى التعليم العالي والجامعات وقيم الطلاب وسلوكهم وثقافتهم؟!.. "إلى سلّة المهملات".
تلك هي القناعة التي نخرج بها من قراءة المشهد العام، ويكرّسها بوضوح قرار عمادة شؤون الطلبة بالجامعة الهاشمية بوضع شروط جديدة للطلبة المرشّحين للانتخابات الطلابية التي ستجري يوم الخميس.
الشروط الجديدة، التي وضعتها عمادة شؤون الطلبة، قبل يوم واحد من تحديد موعد الانتخابات، انتهت إلى رفضها قبول ترشيح سائر الأسماء المحسوبة على القوى الطلابية الفاعلة (الاتجاه الإسلامي، الوحدة الطلابية، التجديد العربية)، وفقاً لبياني حركة ذبحتونا التي وصفت ما حدث بـ"المجزرة الانتخابية"، والاتجاه الإسلامي في الجامعة.
بقي فقط 64 مرشّحاً "يتنافسون" على 58 مقعداً، أي أقرب إلى التعيين والانتخابات الشكلية التي تحدث في النظم الدكتاتورية والقمعية.
ما هي الرسالة التي سيتلقّاها طلبتنا في الجامعة "المعقل المفترض" للتنوير والتغيير والثقافة المدنية التعددية السلمية؟ والتي ستتلقاها القوى السياسية والحزبية حول المرحلة السياسية المقبلة؟
الجواب يتلخّص بأنّ قيمة الانتخابات وفلسفتها ومصداقية اللعبة الديمقراطية تحطّمت لدى الطلبة، وهذا الإدراك الذي يتعلمونه اليوم في الجامعات من الوصاية والانتخابات الشكلية والرأي الواحد ورفض الآخر سيمارسونه غداً في المؤسسات والمنازل والشارع، وفي كلّ مكان يعملون به!
وجه المقارنة المحزن، فعلاً، أنّ هذه التجربة ليست فريدة في "الهاشمية"، بل تحدث في صيغ وصور أخرى في جامعات وكليات حكومية وخاصة، وكأن هنالك ثأراً بيننا وبين الديمقراطية! فقد قام عميد إحدى الكليات بانتخابات في جامعة خاصة مؤخّراً بإجبار الطلبة على قبول القرعة، بدلاً من الانتخابات، بذريعة أنّ "البلد مش متحملة"!
فعلاً "البلد مش متحملة" وضاقت ذرعاً، لكن بعقلية الوصاية وبالروح القمعية التي دمّرت الانتخابات النيابية والبلدية قبل عامين، وصادرت الحياة الجميلة التي كانت تسود في جامعاتنا، وأدت إلى رِدّة ثقافية وسياسية واجتماعية على حساب قيم المدنية والقانون والاعتدال.
ألا يدرك القائمون على أمور جامعاتنا حجم الخطايا التي يرتكبونها بحق الأجيال المقبلة والمجتمع والدولة، عندما يكرّسون قيماً وممارسات تغرس لدى الطلبة شكّاً عميقاً بجدوى الانتخابات والتفكير الحرّ، والتعددية السياسية، والعمل تحت الشمس، أيّ ثقافة وسلوك يمكن أن يبنى على هذه المصادرة الخطيرة لحقوق الطلبة. ألم يتعلموا الدرس؟!
هل يوقف رئيس الجامعة الهاشمية ما يجري، ويطلب ردّ الاعتبار للانتخابات وقيمتها قبل موعدها المنتظر بعد غد؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد