مفارقة لا يستطيع تجاوزها ، تلك التي حدثت معي بالامس قبل قراءة كتاب جديد عن هجرة الشوام الى مصر لمؤلفه د. مسعود ضاهر ، فقد كنت عائدا للتو من محل للنظارات الطبية اخبرني صاحبه العجوز ان والده اسس هذا المحل بعد هجرته من بيروت الى مصر قبل اكثر من قرن.

وبالنظارة الطبية التي اعدها لي صاحب هذا المحل قرأت الكتاب ، فعلاقة الشام بمصر قديمة متجددة بدأت قبل الوحدة واستمرت بعد انفصالها رغم حالات المدّ والجزر التي تنتاب السياسة وبحورها الهائجة.. وقد تبنى حتى غزاة مصر والشام مثل نابليون استراتيجية يمكن اختصارها بعدم القدرة على احتلال الاسكندرية اذا لم تحتل عكا ، وهذا شجن قومي قد نعود اليه ذات يوم الشوام الذين هاجروا الى مصر ، اسسوا صحافة ومسرحا وانجزوا نهضة كبرى ، لكن ذلك ما كان ليتم دون وجود رافعة ومجال حيوي لتحقيق هذه الاحلام ، واسماء مثل الكواكبي ورشيد رضا ويعقوب صروف والاخوين نقلا وجورج ابيض وابي خليل القباني محفورة في ذاكرة المصريين ، ولا يزال اسم الاخوين تقلا كمؤسسين لجريدة الاهرام يقترن بالصحيفة الاقدم في عالمنا العربي.

وقبل بضعة اشهر ، شاءت المصادفة ان اشارك في ندوة بنادي الاعلام في دبي موضوعها هجرة الكفاءات الاعلامية من سوريا ولبنان والاردن وفلسطين الى الخارج ورغم انني كنت اعلم بان من يحملون الكاميرات او يغطون الندوة من المهاجرين سواء من بلاد الشام او غيرها ، الا انني ذهبت الى ما هو اقدم وابعد ، فعبدالرحمن الداخل او صقر قريش كان مهاجراً من بلاد الشام قطع نهرا وبنى اندلسا لكن احد الاحفاد وهو ابو عبدالله الصغير اضاعها عندما سلم مفاتيح غرناطة وادبرت خيوله ، وكتب على الباب الذي خرج منه الى الابد «زفرة العربي الاخير».

ان الهجرة ليست طارئة في ثقافتنا العربية بل هي ثقافة بامتياز ، لهذا ينفرد تاريخنا العربي الاسلامي بالبدء من عام الهجرة لكن ليس لكل من يهاجرون يبنون اندلسا اويعودون فاتحين لمكة كما فعل الرسول الاعظم محمد ، فثمة من يهاجرون ويذوبون وتنتهي روايتهم كما انتهت رواية ابي عبدالله الصغير الذي عيّرته امه عائشة الحوراء بالبكاء كالنساء على ملك اضاعه ولم يستطع الحفاظ عليه كالرجال.

لقد هاجر ادوارد سعيد طفلا الى مصر ثم الى امريكا.. لكنه ملأ الدنيا وشغل الناس بعد ان اصبح من ابرز الاكاديميين في امريكاومن ابرز المفكرين في عصرنا..ان احفاد عبدالرحمن الكواكبي الذي مات مسموما لا يزالون يبحثون عن قبر جدهم الدارس.

والمهاجر الشامي الى فرنسا جورج شحادة يصفه بواديفير في معجم الادب الفرنسي بانه من سادة التعبير بالفرنسية ، وامين معلوف مهاجر لبناني يكتب بفرنسية تثير غيرة الفرنسيين ، لكنه يعترف بان التزاوج بين الهويات ممكن ، في كتابه المثير هويات قاتلة.

قد يهاجر الناس خصوصا النخب لاسباب اقتصادية بحثا عن الرغيف او لاسباب سياسية كما فعل مهاجرو الشام هربا من التتريك والملاحقة او لان الهجرة شرط العودة ، والكتب التي تتحدث عن الهجرات العربية يتناسى مؤلفوها ان هذا الوطن كان ذات يوم عربيا ، وكانت اقطاره غرفا في قلعة شاسعة


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور