قبل عدة سنوات سخر توماس فريدمان من العرب رغم انه نسب ما قاله الى الرئيس كلنتون وهو ان العربي يعرف عن شرائح البطاطا اكثر باضعاف مما يعرف عن الكومبيوتر ، والان تصل السخرية من العرب ذروتها في محاضرة للاسرائيلي «دان شيفطان» القاها في جامعة تل ابيب ، وما قاله بالحرف الواحد ان العرب امثولة في الفشل عبر تاريخهم كله فما من مرة حددوا هدفا ووصلوا اليه ، وكلما اطلقت اسرائيل قمرا صناعيا جديدا ينتج العرب طبقا جديدا من الحمص ، وهو قد لا يعرف ان الحمص العربي يحتوي بين اطباقه العديدة على طبق من الحمص بالدم ، وهو الذي اعده الجنرالات من مطلقي الاقمار الصناعية افطارا او سحورا للفلسطينيين بدءا من جنين حتى غزة ، وهو لا يعرف ايضا ان كاتبا عربيا يقيم في باريس هو فاروق مردم قد الف كتابا عن الحمص بالفرنسية وكان من اكثر الكتب مبيعا ليس لانه يتحدث عن نسبة الطحينة في الحمص او عن اشكاله التي تملأ المائدة بل لان هذا المحصول له تاريخ عريق ، حاولت اسرائيل نفسها التي تسخر منه ان تسرقه وتنسب الفلافل اليها كما تنسب الثوب الفلسطيني المطرز والكنافة النابلسية.

ولسنا هنا بصدد الدفاع عن الحمص والكنافة والفول والفلافل ، فما من هوية وطنية تتشكل داخل المطبخ ، حتى لو كان لها بعد فولكلوري كهذا،

البروفسور «دان شيفطان» لم يقرأ ما كتبه مستشرقون غربيون عن اثر العقل العربي في النهضة الاوروبية ، وربما قرأ جورج باتاي فقط او برنارد لويس ، لهذا فهو لا يرى من التاريخ غير فاصلة هنا او هناك ، وقد سبقه اخرون شككوا حتى بوجود عالم اسمه جابر بن حيان ، او ما فعله روزنتال عندما قال باختصار ان كلمة حرية باللغة العربية ذات اصل عبري..،

يزهو البروفسور دان بالحمص النووي الذي يطبخ في التخنيون ، او في مراكز استراتيجية الاستيطان والتهويد ، فلا قيمة لاي شيء في هذا العالم اذا لم يتحول الى سموم ، وحبات الحمص يجب ان تكون ملغومة ، مثلما كان الزيت ذات يوم ملغوما وكذلك الماء.

ان الاحتلال الان يتمدد من الجغرافيا الى التاريخ ، مثلما يحاول التمدد نحو المستقبل لاحتلاله ايضا ، من خلال المصادرة على نمو الوعي لدى اجيال عربية ولدت في حاضنات الهزائم والاحباط والعولمة..

لقد انتج العقل العربي اشياء كثيرة اهم من الحمص ومشتقاته ، منها مثلا تلك الاطروحة الخالدة المضادة للعنصرية والتي حمت اليهود من المحارق عندما وجدوا في العرب وحمصهم وحنطتهم ملاذا آمنا،

لقد انتج العرب كل ما تقع عليه عينا البروفسور دان في فلسطين ، منذ عكا التي قيل لو انها خافت من البحر لما وقفت على الشاطئ الى تلك المدن التي تسهر على الجبال ، اما عاصمة الكون التي يسعى البروفسور والجنرالات الذين يغذون احلامه الى تهويدها ، وهي القدس ، فلا سبيل الى محو تلك التواقيع بابجدية ساطعة على كل حصاة وحبة تراب فيها،

ان العرب هم الذين فعلوا بانفسهم كل هذا فاصبح حائطهم هو الاوطأ بين الحيطان كلها ولم يبق كلب الا استأسد عليهم ولم يبق بغاث طير ضال الا واستنسر في سماواتهم العزلاء،

الاحتلال لا حدود له ، فما ان يسيل لعاب سمكة القرش السام في البحر حتى تصاب بالسعار ، وما ان تشم الدم حتى تريد المزيد منه ، لهذا فان من يحتلون الارض ويعبرنون الجغرافيا يحاولون السطو على التاريخ ايضا ، من خلال تزوير وقائعه واعادة انتاجه بحيث تحذف منه تلك المساحات الخضراء الممهورة بتواقيع اسلافنا،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور