حين سئل الصحفي السويدي بوستروم عن ردود الافعال لدى العرب على ما اعلنه من جرائم الحرب الاسرائيلية ضد الفلسطينيين وانتزاع اعضاء الاسرى ، وضعت يدي على قلبي كما يقال في مثل هذه المناسبات ، وما خشيته سمعته على الفور ، ومنها اللا مبالاة ذاتها وعدم الارتفاع الى مستوى هذه التراجيديا التي اوشك الاخرون من الشهود على التعبير عنها خيرا منا نحن العرب ، لاننا هناك في مكان ما وفي زمان ما غير هذا المكان وهذا الزمان.
وقبل ان يقول الصحفي بوستروم ما قاله.. كان الصحفي العراقي الزيدي الذي اغنى تراثنا بحكاية اخرى غير حكاية حذاء الطنبوري قد قال شيئا لا يقبل التصديق لاول وهلة هو ان ابناء جلدته وزملاءه كانوا يضربونه ويشتمونه ، بينما يحاول الامريكيون تهدئتهم.. وهي بالطبع ليست شهادة لامريكا واحتلالها فنحن نعرف ان السجان حريص على حياة السجين كي يعذبه حيا ، لهذا يمنع السجناء في العالم كله من استخدام ادوات يمكن الانتحار بها لان الموت وحده هو ما يحررهم من التعذيب.
وحين كتب ميشيل فوكر فصلا قد يكون من اهم ما كتب عن تاريخ التعذيب ، قال ان من تعهدوا تعذيب المسيو دميان كانوا اشد حرصا على حياته منه لانه لو مات لافلت من العقاب الارضي على الاقل،
هكذا اذن ، بنينا من هم امريكيون اكثر من امريكا ومن هم كاثوليكيون اكثر من البابا ومن هم يهود اكثر من الاسخريوطي ، لقد كان مقال الصحفي السويدي عن جرائم الاحتلال فضيحة مزدوجة ، او ذات وجهين فهو افتضح سارقي الاعضاء البشرية مثلما افتضح اقارب الضحية ، الذين لم يقولوا كلمة واحدة لانصاف من تولى الدفاع عنهم ، لكن هذا الامر لم ييئس الصحفي ، بل جعله يشفق على هذه الشعوب التي تعاني من يتم تاريخي وقرر الاستمرار في مشروعه الاخلاقي رغم مئات التهديدات التي تصله يوميا من اسرائيل وضواحيها النائية،، واذكر ان بعض الدول التي اعادت علاقاتها الدبلوماسية مع اسرائيل بعد انقطاع طويل واحتجاجي قالت انها لن تكون عربية اكثر من العرب ، عندما رأت الولائم والمصافحات والعناق على شاشات العالم كله.
اننا بهذه اللا مبالاة قد نخسر من تبقى لنا من اصدقاء في العالم ، لان المريض الذي يضرب عرض الحائط باراء الطبيب ويصر على ممارسة عكس نصائحه لا بد ان يصيب الطبيب بالضجر واليأس.
لقد كانت مساحة فلسطين القضية وليس الارض فقط بسعة قارات ، وكان اطارها الانساني قد حول ملايين الناس من مختلف الجنسيات الى فلسطين على المستوى الرمزي ، ثم بدأت رحلة الانحسار والجزر .. وانتهى بنا الامر الى هذه المساحة الحرجة. ومن بددوا بسفاهة نادرة اصدقاءهم ومن كانوا قاب صرختين او ادنى من مجازرهم يبددون الان ما تبقى ، وقد تصبح الضحية التي تجهز بانيابها على ما تبقى من عاتيتها مثارا لضجر الاخرين ، وبالتالي عزوفهم عن الاهتمام بكل ما يصدر عنها،
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور