تتابع الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية باهتمام سير تحقيقات لجنة تيركل، التي شكلتها الحكومة الإسرائيلية، لتحديد مسؤولية ما وقع مع "أسطول الحرية".
بلا شك، لا يمكن القبول بنتائج هذه اللجان أو التسليم بها، ومن الواضح أنّها تسعى إلى حماية "صورة إسرائيل" أمام المجتمع الدولي، في محاولة لمصادرة "الموقف الدولي" أو استباقه من خلال نتائج إسرائيلية محلية. رغم ذلك، فإنّ عمل اللجنة، كما ترصد صحيفة هآرتس، أزعج المسؤولين الإسرائيليين وكشف حجم الخلاف بينهم.
مهمة مثل هذه اللجنة تستحق المتابعة والاهتمام (لدينا) من باب آخر، ويتعلّق حصريا بمفهوم الدولة والمسؤولية وسيادة القانون في داخل المؤسسات الإسرائيلية نفسها.
إذ بالرغم من وجود كنيست منتخب وتوازنات قوة إلا أنّ ذلك لم يمنع من إقامة تحقيق مستقل، تخرج نتائجه على الإعلام وتناقش حيثياته على الملأ، ولا يخجل المسؤولون الإسرائيليون من الخضوع للتحقيق وتحمل النتائج، حتى العسكريون يدخلون في نطاق التحقيق والمتابعة.
تقرير هذه اللجنة ليس موجّها للخارج فقط في التحايل على التحقيق القانوني الأممي، كما هو معروف، بل إلى الرأي العام في إسرائيل، الذي يشعر أن من حقه معرفة أين تقع الأخطاء، والإعلام الذي ينقل أولا بأول سير التحقيق ونتائجه، من دون أن يتهم بكشف أسرار الدولة!
هذه اللجنة ليست بدعا هناك، فقد سبقها تقرير لجنة فينوغراد في تقديم قراءة وتحليل لنتائج حرب تموز على لبنان وأسباب الإخفاق الإسرائيلي في تحقيق الأهداف الموضوعة، وخرجت النتائج في غاية القسوة في إدانة أعلى مراكز القرار السياسي والعسكري.
هو درسٌ قاس جداً لحكوماتنا، التي لو خضعت لتحقيق واحد جدّي في مثل هذه القضايا، لما كررنا كل يوم أخطاءً فادحة، حتى تكبر وتصبح كوارث، ويدفع الجميع ثمنها، من دون أن نفتح تحقيقا جدّيا (وليس شكليا) لتحديد المسؤولية الأخلاقية والسياسية والقانونية.
هل يمكن المقارنة: كم كارثة حدثت لدينا ومرّت من دون أن يحاسب أحد، من الانتخابات البلدية والنيابية اللتين ما زلنا ندفع ثمنهما، إلى أموال برنامج التحول الاقتصادي، إلى الأزمة الاقتصادية وتبخر المشاربع الوهمية مع بقاء عجز الموازنة والمديونية المرتفعة، إلى فشل إداري ولد أزمات طاحنة في مجالات متعددة إلى إعدام الأجندة الوطنية؟
لا توجد لدينا مصادر تهديد وجودية مثل إسرائيل، وهي تعاني من أزمات داخلية خانقة، ومع ذلك لا يتنطع أحد ليطالب بإقفال طوابق التحقيق والمساءلة في مواجهة المسؤولين المقصرين أو الفاسدين، ولا باتهام الإعلام، والشكوى من الحرية الإعلامية بذريعة أنّها تمنح "ذرائع" للأعداء، وتوفر مادة دسمة لخصوم إسرائيل.
بل ما يزال الإعلام الإسرائيلي برغم كل ما يثار حوله مصدراً رئيساً للمعلومات والأخبار، ليس عن إسرائيل وحدها، بل عن جيرانها العرب، وللمراقبين الأجانب، ونحن هنا!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد