هناك مقالة شهيرة لاسرائيل شامير عن القدس وهو بالمناسبة ليس اسحق شامير أو أخاه ، بل هو نقيضه في قراءة التاريخ والايديولوجيا ، حسب مقالة «شامير هذه بأن القدس بقيت في الذاكرة اليهودية تلك العذراء التي عاد بها دونكيشوت على حصانه الأبيض ، ومن روّج لهذه الاشاعة هو تابع دونكيشوت «سانشوا» ، الذي تحول الى ظل وصدى لسيده ، وهو الشبيه الى حد ما بقفة ، حسب الحكاية التراثية العربية ، الذي كان تابعاً كالظل لعلي جناح التبريزي ، ما يقوله اسرائيل شامير يقوض الأطروحات الصهيونية حول القدس ، فهي ليست عذراء الايديولوجيا بل المدينة التي تزوجت وأنجبت عرباً ومسلمين ومسيحيين على امتداد العصور ، وهذا هو الفارق الجوهري بين الخرافة والتاريخ.. فالخرافة تسعى الى تأييد موقف ما ، ولأنها لا تقبل الجدل وليس لها بعد واقعي فهي تنكفىء داخل شرنقة ، ولا تخرج منها وغالباً ما تتحنط عند ما يسميه علماء الأحياء طور العذراء..

والقدس التي يتحدث عنها نتنياهو ووزير دفاعه وحارس الملهى الليلي الموسكوفي الذي ألبس الدبلوماسية خوذة فولاذية ليست هذه المدينة ، بسورها وأزقتها وكل حصاة فيها ممهورة بوشم من الأبجدية الخضراء.

ان القدس التي يبتكرونها من خيالهم ، ويلفقونها من بقايا الأساطير ، هي مدينة بلا أقصى وبلا قيامة ، وبلا مآذن ، ولا يمر في شوارعها قساوسة وشيوخ ، ولا تفوح منها تلك الرائحة الراسخة من حجارتها حفيف زيتونها بالعربي ، ونشيج أطفالها بالعربي ورحلة الصعود بالبراق لا تقبل الترجمة الى لغة أخرى.

ان دون كيشوت الصهيوني منذ صارع طواحين الهواء ، كان يدرك بأن النهاية لن تكون رهينة الأسطورة ، وأن هناك تاريخاً كالقانون لا يرحم ولا يبرىء من يجهل دينامياته وحراكه والمصب الذي يمضي نحوه.

لهذا فإن كل ما نقله التابع سانشوا من أخبار سيده المنتصر سواء في حرب الأيام الستة أو الأعوام العشرين أو الدقائق الخمس هو مجرد زبد ، ولا يمكث في الأرض أو الذاكرة أو الكتاب ، وثمة حرب أخرى تدار الآن بين ظلال دون كيشوت وهي عديدة ، ويتعهد التابعون بنقل الأخبار بعد التعقيم والانتقاء ، لكن التاريخ ليس طيعاً أو داجناً الى هذا الحد ، فهو لا يقبل الاستيطان ، أو الادخال عنوة الى اسطبلات الثكنات أو الزنازين ، لهذا استمر بجدليته الخالدة ، ولم يتوقف أو يتخثر عند روما القديمة أو اسبارطة أو حتى واشنطن ، والتاريخ لم يكتهل بعد بما يكفي لاعلان احتضاره ، بحيث نتهيأ لحقبة ما بعد التاريخ وما بعد الانسان وما بعد الحقائق كلها ، ان القدس رغم كونها عزلاء إلا من أهلها وصبرهم وتشبثهم بالجمر ، فإنها لا تكف عن المقاومة ، حجارتها تروي الحكاية على مدار الساعة وأشجار تينها وزيتونها وصفصفانها تحف رغم ما يفح من حولها ، وأحياناً تكون المقاومة غير مرئية اذا تعلقت بالارادة والقبض على الجمر باللسان قبل اليد ، وما الإلحاح الاسرائيلي على التهويد الا التعبير الأدق عن الاحساس بالاغتراب ، فلو كانت القدس يهودية لما كان هناك أي داع لتهويدها ، كل ما في الأمر ان القراءات السايكولوجية غائبة الآن عن المقاربات الأكثر رواجاً حول القدس ، فكل ما يصدر عن اسرائيل يقترن بالريبة ، وبالتالي باحساس داخلي يشي بالحقيقة رغم محاولات تغييبها ، فالأم الحقيقة لا تحتاج الى تذكير أبنائها في كل دقيقة بأنهم أبناؤها ، ومن تفعل ذلك هي زوجة الأب أو أية امرأة عاقر استعاضت عن الأمومة بالادعاء،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور