ثلاثمائة صفحة ، كتبها مؤلف اسمه هشام خضر للبرهنة على ان أتاتورك يهودي ، سواء من حيث الجذر العرقي أو التوجه السياسي الذي أدى الى تقويض الخلافة العثمانية ، وأتاتورك واسمه يعني أبوالاتراك مارس دوراً تاريخياً لا يزال تأثيره على تركيا مرئياً بوضوح ، وأذكر ان من تظاهروا ضد الكاتب باموك الذي فاز بجائزة نوبل للآداب ، انطلقوا من تمثال اتاتورك وهتفوا باسمه ، تنديداً بما كتبه باموك عن المذابح الارمنية ، لكن التاريخ لا يعترف بالثوابت ، فقبل أسابيع فقط تصالح الأتراك والأرمن في زيورخ ، وتصافحوا رغم أن ما في القلب لا تحزره العين ، فالندوب العميقة في وجدانات الشعوب لا تزال بسهولة خصوصاً اذا كان لها افرازات ثقافية ، وفولكلورية مكثت في الذاكرة واللاوعي الجمعي ، وليس من شأني هنا تبرئة أتاتورك من يهوديته اذا صح هذا القول ، خصوصاً وان يهود الدونمة في تركيا صالوا وجالوا شأن سواهم من يهود العالم عشية الاعلان عن البرنامج الصهيوني منذ مؤتمر بال ، لكن ما المكسب عندما يهدي العالم ساسة وجنرالات ومثقفين الى اليهود كي يجدوا تفسيراً عرقياً لمواقفهم السياسية حتى لو كانت من طراز مواقف أتاتورك وما رسخه من قواعد علمانية وعسكرتارية في تركيا،

ان اسرائيل ترحب بل تفتح ذراعيها لكل من يقال بأنهم ذوو أصول يهودية ، وعندما يتعلق الامر بأتاتورك خصوصاً في هذه الايام التي تشهد تحولاً دراميكيا في الموقف التركي ازاء الصراع العربي الاسرائيلي والقضية الفلسطينية ، وما يورده المؤلف من قرائن وحيثيات للبرهنة على يهودية أتاتورك يقبل الكثير من النقاش ، وسيبدو الامر مثيراً للسخرية لو طالب البعض بفحص ما تبقى من رميم أتاتورك للتأكد من يهوديته ، لأن هناك صهاينة تجاوزوا اليهود الأشد راديكالية في مواقفهم ضد العرب ، رغم أنهم ليسوا يهوداً بالانتماء العضوي ، بل أفكارهم ومواقفهم هي التي جعلت منهم يهوداً أكثر من بن غوريون وغولدا مائير وليبرمان،

ان التفاسير المقترحة للتاريخ وظواهره عديدة منها الايديولوجي والسايكولوجي والاقتصادي والصحي ، خصوصاً بعد أن ظهرت كتب ودراسات تفسر مواقف القادة والأباطرة والزعماء تبعاً لما كانوا يعانون منه من أمراض ، وهذا بالضبط ما فعله في القاهرة قبل أقل من شهر اللورد في محاضرة مكرسة للبحث عن أمراض الساسة والزعماء ، رغم أن ما هو أهم من أمراض الاشخاص أمراض السياسة والزعامة وما يتعلق بها من مفاهيم،

وهناك مفارقة آن وقت التوقف عندها في هذه المناسبة ، هي ان هناك من يتطوعون بالمجان للقول بأن علماء عصرنا من أصول يهودية ، ومقابل ذلك تظهر دراسات موسمية لتثبت بأن معظم العلماء المسلمين ليسوا ذوي أصول عربية،

ولكي لا نخوض في هذا السجال العقيم ، فان الأجدر بنا هو التنبيه الى أن تهويد علماء وساسة حتى لو كانوا أباطرة وطغاة يضيف الى الصهيونية امتدادات أخرى ليس لها ، ولا أظن بأن اسرائيل التي تسعى هذه الأيام الى تهويد القدس وعبرنة أسماء المدن والتضاريس في فلسطين بحاجة الى من يضيف اليها قائمة تضم أسماء من طراز أتاتورك الى السلالة اليهودية،

نعرف أن لكل صراع بعداً ايديولوجيا لا يمكن تخطيه ، لكن الأدلجة القسرية للتاريخ قد تلوي عنقه وتجلده كي يعترف بما لم يقترف،،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور