ظهرت في عشرينيات القرن الماضي نظرية تدعو الى تشريع نسبة من الفساد ، هي بمثابة الزيت الذي يتم من خلاله تشحيم المفاصل الصدئة للنظم البيروقراطية ، وغاب عن أصحاب هذه النظرية ان ما يبدأ بقطرة دم واحدة قد ينتهي الى مجزرة ، وان هناك مفاهيم لا تليق بها الكسور العشرية ، فما من ربع صدق أو خمس شرف وما من قليل من الفساد أو كثير منه ، لأنه أشبه ببقعة الزيت التي تنتشر أو كرة النار التي تحرق كل ما تلامسه.
والكتاب الذي ألفه بيير لاكوم وعنوانه كلمة واحدة هي الفساد ، يفتح هذا الملف بدءاً من صفحاته الاولى ، ويعود الى جذور هذا البلاء الذي أصبح في أيامنا الغول الذي تقطر مخالبه دماً ولا يجرؤ أحد على ان يقول له ان عينيك حمراوان.. ويتساءل المؤلف منذ السطر الأول من كتابه عن الفساد.. هل هو جريمة بيضاء؟ ليذكرنا بما يقال عن الكذب الأبيض رغم ان الكذب لا يتجزأ ولا يقبل مثل هذا التلوين ، وكان البير كامو قد كتب مسرحية شهيرة بعنوان سوء تفاهم ليثبت أن الكذب الأبيض قد ينتهي بجريمة لا يطمح الى انجازها الكذب الأسود القاتم ، وتلك بالطبع حكاية أخرى ، أما مؤلف كتاب الفساد فيعود بنا الى عقد التسعينات من القرن الماضي ، والضجيج الكوني حول الفساد لأنه بدأ يتحول الى وباء ، ولا ينجو منه حتى هؤلاء الذين يجهلون كل شيء عنه.
ويفرق الكاتب بين ثلاثة أوصاف للفساد كما تداولته الأطروحات الأكثر رواجاً في العقدين الماضيين ، والحقيقة أنه حاصل جمع هذه الأثافي الثلاث التي يطبخ عليها اللحم البشري ، ولا يسلم من ناره حتى الأطفال ، ومن تم استجوابهم بتهم الفساد في العديد من الدول ، حاولوا تبسيط المسألة ، ومنهم من نسب أفعاله الى مجهول ، وأتاحت ثقافة التمييع وخلط المفاهيم والأوراق لهؤلاء فرصة المراوغة ، بحيث انتهى الأمر الى عزل الفساد عن ممارسيه ، وكأنه نبت شيطاني ، والحقيقة أن ما يقال عن النجاح باعتباره متعدد الآباء مقابل الفشل اليتيم يصدق على الفساد ايضا فهو دائماً يتيم ، وبلا عائلة ، وأحياناً نراه لقيطاً بحيث تتم تبرئة من أنجبوه وأرضعوه وأدخلوه الى اكاديميات الكذب والادعاء والتهرب ، ولأن ما كتب عن الفساد حتى الآن بمختلف اللغات حوله الى مفهوم غامض ، فان مؤلف الكتاب بيير لاكوم ، يقول بعد مقدمة كتابه ، معتذراً للقارىء عن الغموض الذي أحاط بكل ما كتبه حول هذا الموضوع ، وكأن الفساد قلعة كافكاوية مليئة بالأشباح والكوابيس وما يجب الاقرار به هو أن الفساد تحول من ظاهرة الى ثقافة ، وثمة تربويات غذته من حيث لا تدري ، فالطريق الى الجحيم قد يكون معبداً بالنوايا الطيبة كما يقال هذا اذا وجدت مثل هذه النوايا.
ان الأمثلة التي يعرضها المؤلف في كتابه مأخوذه جملة وتفصيلا من الغرب ، ولو كان هذا المؤلف يرى ما الذي يجري في العالم الثالث ومنه عالمنا العربي لبقي مندهشاً عدة أعوام ، لأن المخفي أعظم ، وما كتبه خبراء سابقون في البنك الدولي من طراز الدكتور هانكوك لم ير من الفيل غير خرطومه ، أما ما تبقى فهو غامض وملتبس ، ويشبه ما تقوله الأسطورة الهندية عن ستة عميان سقطوا على الفيل فوصف كل واحد منهم العضو الذي ارتطم به لأن هناك فساداً ادارياً وثقافياً وطبياً وسياسياً وتربوياً اضافة الى الفساد الاقتصادي،،
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور