لم يكن تقرير غولدستون مصدر هلع لاسرائيل وجنرالات الحرب بحد ذاته ، فهو يدشن مرحلة كانت محرمة ما دامت اسرائيل قد أدمنت التبرئة من دم العرب تارة بواسطة الفيتو وتارة بسبب الميديا المضللة التي تخلط حابل القاتل بنابل الضحية ، لهذا لم يكن مستبعداً هذا الحراك الدبلوماسي الاسرائيلي على امتداد خطوط الطول والعرض لتضاريس هذا الكوكب السياسية ، وبالطبع ، سوف تخترع اسرائيل من الذرائع ما يحجب تقرير غولدستون وكل ما يتردد عن اخضاعها لواشنطن حول تجميد الاستيطان ، واستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين بلا أية شروط. ويبدو ان القرصنة في حقبة ما بعد الحداثة لها تقنيات تليق بهذا التطور التكنولوجي ، فالقرصان القديم كان بدائيا سواء في قاربه او سلاحه أو حتى الخطط التي يرسمها قبل بدء العمل ، تماماً كما ان الحروب الحديثة طورت من اسلحتها مثلما طورت من اسبابها ، خصوصاً بعد ان أصبحت الحروب تبرر بأثر رجعي وبعد وقوع الفأس في الرأس.

وليس مهماً الآن هذا المثال أو ذاك ، ما دامت اسرائيل تتصور بأنها سيدة البحر واليابسة والفضاء أيضاً ، لهذا فهي حين تضرب حصاراً ما تضربه من الجهات الثلاث ، تاركة الجهة الرابعة وهي الأرض ذاتها للمقابر الجماعية ، والنظرية التي اعلنها نتنياهو في المرة الاولى التي فاز فيها بالانتخابات وترأس الحكومة قد لا تكون جديدة وهي اغتنام أية فرصة لتمرير مخطط مؤجل ، خصوصاً اذا كانت هذه الفرصة حمراء ، كاندلاع حرب هنا أو هناك ، أو وقوع كارثة تجتذب أنظار العالم ، وهي فلسفة البحث عن المنافع في كل ما هو ضار شرط أن يعود النفع على اسرائيل واستراتيجياتها في تحويل المسروق الى استحقاق،

والآن ، لن يتورع نتنياهو ومن يشاركونه القرار بائتلاف مشروط عن افتعال أي موقف يصرف الانتباه عن تقرير غولدستون أو كل ما له صلة بالعدوان على غزة ، الذي فشلت اسرائيل في ادراجه ضمن تلك الخانة السوداء والمسكوت عنها دولياً،

أما تحديث القرصنة ، وتحويلها من نشاط يقوم به أفراد خارجون عن القانون أو قطاع طرق بحرية ، فهو يمر الآن بطور جديد ، بحيث تتبناه دول ، وترعاه هيئات دولية ، بحجة أن من يسطو على اليابسة من حقه أن يهيمن على الماء ، ونحن لا نتوقف في هذا السياق عند حدث بعينه بقدر ما نقلب صفحات ملف أسود ، امتلأت أوراقه بشهادات الزور وأوراق الفيتو التي تقل عن ورقة زيتون أو تين في ستر العورة السياسية ، لمن يربتون على كتف الجلاد ويدينون الضحية ثم يطالبونها بالاعتذار والتعويض،

وما يتطور وتتبدل تقنياته وأدواته ليس الحرب والقرصنة والاحتلال من حيث الدوافع بل أساليب ترجمة هذه الدوافع الى واقع ، فالنوايا والنوازع لم تتبدل جذرياً منذ الكهف والغاب ، ومنذ هابيل وقابيل ، لكن ما يتبدل هو تطوير الذرائع وليّ عنق التاريخ كي يستجيب لطرف ما ويغير مجراه وأخيراً مصبه،

وعلينا ان ننتظر عدة مسرحيات سياسية وعسكرية تفتعلها اسرائيل ، فالسينارست الضليع بفقه القرصنة والعدوان جاهز ولا ينقصه سوى أمر عسكري يحدد له الوصفة والهدف، وقد يكون هذا كله أقرب الى نبش البديهيات ، لكن الزهايمر السياسي الذي تحول الى وباء قومي يدفعنا أحياناً الى التذكير حتى بأسمائنا ومساحة بلداننا وأعدادنا،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور