على الأغلب أنّ "التهدئة السياسية" لن تقف عند حدود التعديلات على قانون الجرائم الالكترونية، ولا عند اعتذار وزير العمل من المزارعين في الدوار الرابع، بل سيتبعها محاولة لتفكيك الأزمات والملفات العالقة التي شغلت النخب السياسية والإعلامية خلال الشهور الماضية.
ثمة مؤشرات عديدة أنّ مراجعات حدثت خلال الفترة الأخيرة داخل دوائر القرار للمرحلة السابقة، وما نجم عنها من حالة احتقان وتوتر وأزمات وصلت إلى درجة تنذر بما هو أسوأ لاحقا، وتدفع إلى القلق حول البيئة المحيطة بالانتخابات النيابية المقبلة.
الخلاصة المهمة للمراجعات تتمثل في الوصول إلى قناعة بضرورة "إطفاء الحرائق" ونزع فتيل الأزمات، من خلال سياسة الاحتواء والتسويات السياسية، التي لا تضر بهيبة الدولة بقدر ما تعكس محاولة لإعادة النظر في أسلوب التعامل مع إدارة الملفات السياسية التي انفجرت خلال الفترة الأخيرة، وجزء كبير منها اتسم بالطابع المجّاني، الذي لم يستفد منه أحد!
على الطاولة موضوع المعلمين والتراجع فورا عن العقوبات التي وقعت بحقهم، وهنالك اليوم قناة للحوار معهم، وأحسب أن العودة إلى ما تم التوصل إليه سابقا مع الحكومة بالاتفاق على اتحاد للمعلمين، بمثابة تسوية معقولة، لكن مع الاستجابة لطلب المعلمين بضرورة أن يكون ذلك بقانون، وليس بنظام.
الملف الأكثر تعقيدا هو الإسلاميون، ذلك أنّ الوقت يمر سريعا، ما يجعل من تراجعهم عن المقاطعة أصعب. إلا أنّ المؤشر المهم هنا وجود رغبة شديدة من قبل المرجعيات العليا والحكومة بمشاركة الإخوان وبصورة واسعة، وهي رغبة تعكس فرصة مواتية لتصحيح مسار العلاقة المتدهور مع الحركة منذ سنوات، من خلال سياسات الاستهداف والإقصاء، وترد الاعتبار السياسي لها كلاعب مهم ورئيس في المشهد السياسي.
التعويل الآن على تسريع هذا الملف الحيوي، وتحديد نقاط الاختلاف الممكن التعامل معها، وهذا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُضعف موقف الحكومة أمام الرأي العام، بل سيسجّل لها وفي رصيدها، ويعيد الحيوية للمشهد الانتخابي.
ما نحتاجه جميعا، خلال المرحلة المقبلة، حوارا سياسيا جريئا وصريحا وعقلانيا، وإعادة ترميم قاعدة الثقة والمصداقية والشفافية كأساس للتعامل بين الجميع.
الخطوات الحكومية الجديدة تشي بمؤشرات إيجابية تحتاج إلى طاقة دفع كبيرة وإلى فتح القنوات والانفتاح على الناس، وسيكون من المفيد جداً أن يدشّن ذلك، بالإضافة إلى تفكيك الأزمات، بزيارة قريبة يقوم بها رئيس الوزراء إلى مجمع النقابات المهنية، وبحوار هادئ ومباشر مع الإسلاميين.
ثمة تراكم لأخطاء فادحة من السنوات السابقة، ليس اقتصاديا فحسب، بل سياسيا أيضا، وهنالك ضرورة لإعادة قراءة التحولات البنيوية وترسيم المسارات الصحيحة لمواجهة المستقبل واستحقاقاته استراتيجيا، لتجنب الأزمات، وليس فقط تكتيكيا للتعامل مع الراهن!
هل يحق لنا وللمواطنين أن نُمسك بقدر، ولو قليل، من التفاؤل بأننا أمام تشكّل إدراك رسمي بأنّ يكون البرلمان المقبل ممثلا للحد الأدنى من المشاركة السياسية، وبأنّ الشروع بإصلاح سياسي بنيوي ليس ترفا أو استحقاقا ثانويا، بل ضرورة وطنية لإعادة إنتاج قواعد اللعبة بما يستبطن المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الهائلة التي حدثت خلال الأعوام الماضية؟
ما نزال ننتظر ترسيما لمسار مختلف في إدارة اللعبة السياسية، ونمسك بأي خيط يُخرجنا من حالة الإحباط وخيبة الأمل والاحتقان الحالية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد