ظواهر عديدة يمكن رصدها للتأكد من حالة الفراغ السياسي والبطالة الفكرية في عالمنا العربي ، لكن الرياضة تبقى أقوى تلك الظواهر ، لا من حيث الاقبال المفرط عليها ، بل من خلال ما تلعبه من أدوار بديلة لحراك انساني فاعل.. فقد هاجرت الاناشيد الوطنية والشعارات من عالم كرة القدم ، ولم تعد هذه الكرة التي لا تزيد عن حجم بطيخة غير معلوفة وملغومة بالكيماويات كرة قدم بقدر ما أصبحت رأساً ، تدور فندور حولها ، وكأنها كوكب آخر صغير ينافس كوكبنا الكبير على كل شيء.. فالمشاجرات والتراشق بالشعارات السياسية وتصفية الحسابات بثأرية لا علاقة لها بالروح الرياضية هي أهم السمات لرياضة غادرت مواقعها الاولى واستبدلت غاياتها ، وقد يشكو الفقراء العرب من ارتفاع سعر الخبز والدجاج والكتاب ، لكنهم لا يشكون من أسعار التذاكر التي يتنافس عشرات الالوف عليها كي يفقدوا أصواتهم في الهتافات على مدرجات الملاعب، ويبدو ان حالة الركود والاستنقاع الفكري التي يعيشها العرب الآن هي ما أدى الى ملء الفراغ بوسائل أخرى ، رغم ان ما يحدث لا يقنعنا بما قيل ذات يوم عن العقل السليم والجسم السليم ، فالسقم بدأ يغزو الاثنين معاً ، والمصطلحات التي يتداولها الناس عن الرياضة مستعارة من قواميس الحرب ، فهي اضافة الى الهجوم والدفاع وضربات الجزاء وتسجيل الاهداف اصبحت تشمل مواقف فكرية وسياسية واحياناً اثنية ، وهذا أخطر ما في الأمر ، وكأن العرب العاطلين عن الحروب ، بدأوا يعوضون ما ينقصهم بانتصارات وهمية ، ولا تصبح مثل هذه الظواهر عامة ومبثوثة في المناخ السائد الا عندما يصل الاحباط ذروته ، ويصبح الفرسان دونكيشوتات تتكسر سيوفهم على خشب الطواحين ، وهناك مباريات يسقط فيها قتلى وجرحى ، وتحرسها الشرطة خشية من اشتباكات قد تتمدد خارج الملاعب ، وأرجو ان لا يفهم من هذا ان الرياضة بحد ذاتها اصبحت امرا مكروهاً أو له اعراض جانبية بالغة الاذى ، فالرياضة منذ بواكيرها قبل عصور كانت محاولات رائدة لتأهيل الجسد البشري ، وتصريف الطاقة الفائضة كي لا تتحول الى عدوان ، لكن ما جرى لها ، هو ذاته الذي جرى لغيرها من الانشطة الانسانية ، فقد اسيء فهم رسالتها ، وبالتالي تحولت عن سوء قصد الى حروب رمزية ، أو بمعنى آخر الى حروب بديلة بحيث توهم المهزوم بأنه انتصر ، وعلماء النفس الذين كتبوا كثيراً عن سايكولوجيا اللعب حذروا الناس من الافراط في التعويل على النصر والهزيمة قدر تعلقها باللعب ، فالرياضة شأن كل نشاط آخر لها حدود ما ان تتجاوزها حتى تصبح شيئاً آخر يستحق اسماً جديداً،

والمفارقة في هذا السياق ، هي ان الملاعب تغص بالمشاهدين ، والذين يتجاوز عددهم احياناً عشرات الالوف ، بينما تشكو قاعات المحاضرات والشعر والموسيقى والندوات الفكرية من فراغ فاضح ، والمسألة الآن بدت واضحة ولا حاجة بنا للاستطراد في الحديث عنها ، فالمباريات حروب بديلة ، كما ان السجال العقيم حول أمور شكلية هو قضايا تم استبدالها ايضاً،،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور