كلما حاولنا تفنيد ما كتبه ويواصل كتابته المستشرقون عنا كعرب ، نسارع من جديد لتكريس الصورة التقليدية ، لهذا نبدو كما لو اننا نراوح على طريقة محلك سر ، خطوة الى الامام تعقبها على الفور خطوة الى الوراء ، وكأن الطبع بالفعل قد غلب التطبع وان طبقات الطلاء لحجب الواقع لا تدوم طويلا تحت الشمس وعوامل التعرية.

منذ الاستقلال او ما يشبهه ، والعرب يخوضون حروبا علنية او مستترة ، دافئة او باردة لكن ذلك يستر السطح الازرق الهادئ ، والذي يخفي تحته عوالم من الكائنات التي تأكل بعضها ، وما كتب حول هذه الظاهرة طواه النسيان فثمة ما هو اجدر منه واولى بالقراءة والتأمل.

ما دامت الشيزوفرينيا قد استوطنت كوباء واوشكت ان تتحول الى طبيعة ثانية ومضادة بقدر ماهي بديلة للطبيعة الاولى ، وسبق لهنري كسنجر ان افتضح هذه الشيزوفرنيا سياسيا وعلى اعلى المستويات العربية ، عندما قال ان هناك كلاما يعد للاستهلاك المحلي وكلاما اخر يعد للتصدير ، وباستمرار هذه المتوالية من النفاق القومي المتبادل ، تضاعفت مساحة المسكوت عنه ، والمكظوم غيظا ، وضاقت مساحة وطن كبير يتوزع على قارتين بحيث اصبح حارة ، ثم ضاقت الحارة لتصبح مجرد بيت او غرفة ، فالخصخصة ليست مصطلحا اقتصاديا فقط انها الدينامية الاكثر نفوذا وانتشارا على صعيد سياسي ايضا ، بعد ان اصبحت الهواجس مجرد بحث عن البقاء على قيد الحياة ، حتى لو كان هذا البقاء عديم القيمة ، ويقتصر على البعد العضوي فقط،

ما قاله ارنست رينان ومن بعده روزنتال واخيرا وليس اخرا برنارد لويس عن العقل العربي يتطوع العرب الان لتقديم براهين على صدقيته ، فالامراض النفسية والاجتماعية واخيرا السياسية اصبحت مزمنة ، وغالبا ما تستمد استمراريتها من جذور قديمة ، وقد لا يجد المراقب فرقا بين حروب الاخوة الاعداء او حروب التوائم الالداء قبل اكثر من الف عام وبين ما يجري الان وقد تكون الاسلحة تغيرت او تطورت ولكن بلاغة الهجاء المتبادل ظلت ترضع من ذلك الحليب الجاهلي ، ولا ندري ما هي المعجزة او الوصفة السحرية التي تجعل من يدرسون في اشهر جامعات العالم واكاديمياته يعودون الى درجة الصفر في اقل من دقيقة واحدة اذا تطلب الامر ، لكأن الفارق بين الثقافة والامية مرسوم على الماء او الرمل ، او بطبشورة سرعان ما تتحول الى غبار.

وقد لاحظت قبل ايام وبعد حوار استمر اكثر من ساعتين مع مثقف فرنسي معني بشجون الشرق الاوسط ، ان الغربيين يعرفون عنا وعن المستور اكثر مما يعلنون ، لانهم يفضلون استخدام هذه المعرفة في ابحاث وتقارير استراتيجية ، ولا اخفي انني شعرت بالحرج الذي سرعان ما تحول الى خجل عندما واجهني هذا المثقف باسئلة ظاهرها بريء عن المشهد الفلسطيني ومما قاله ان ما يبث وينشر من اتهامات الاطراف الفلسطينية المتناحرة لبعضها يخرج اسرائيل من المعادلة بل يبرئها ، وكأن الفلسطينيين هم الذين يحتلون بعضهم، وكان لا بد من المضي في الحوار باتجاه اخر ، واستحضار امثلة من التاريخ الاوروبي قبل ان تستقر الدول على ما هي عليه الان ، لكن هذا السجال قد ينقذنا من حرج مؤقت ، ولا يقدم اجابة شافية عن اي سؤال جارح،،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور