نادرة هي الحروب التي تعددت اسماؤها والذرائع الملفقة لها باثر رجعي ، والحرب على العراق هي النموذج الذي دشن القرن الحادي والعشرين بهذا النمط من الحروب ، فهي تنتسب بامتياز الى حروب ما بعد الحداثة وما بعد التاريخ ، لهذا سميت استباقية وان كان هذا الاسم مجرد حيلة استراتيجية ، الهدف منها هو العدوان تحت عنوان الدفاع.

والملف الذي يعاد فتحه الان في لندن حول هذه الحرب يفتضح مجددا الموقف التابع لبلير والذي سخر منه فنانون وناشطون بحيث صور رئيس الوزراء السابق لبريطانيا في مشاهد مهينة ، منها تلك الصورة لكلب يقعي تحت قدمي الرئيس بوش في المكتب البيضاوي ويهز ذيله تعبيرا عن الابتهاج بارضاء السيد ، ورسالة غولد سميث الى بلير قبل شهور من اندلاع الحرب على العراق واضحة ولا تقبل اي التباس او تأويل سياسي ، فالحرب كما قال سميث ليست قانونية ، وبالتالي ليست مشروعة لكن بلير مضى قدما في موقفه التابع بحيث بدت الجبهة الانجلوساكسونية غير عابئة باحد. الا بمصالح معروفة وغنائم سرعان ما اتضح امرها وافتضح سرها،

ما من حرب كهذه اعترف من اشعلوها ومنهم الرئيس بوش الابن ووزيرة خارجيته رايس ووزير الخارجية المستقيل كولن باول بانها كانت الحرب - الخطأ - بسبب تزوير في المعلومات الاستخبارية وتصور في الاحاطة بالمشهد العراقي مثلها.. لكنها اندلعت ، ولم تضع اوزارها حتى الان ، ولا يزال السجال دائرا بين من اشعلوها حول جدوى استمرار احتلال العراق كما هو دائر ايضا بين ضحاياها حول مفهوم التحرير والاستقلال وكل الشعارات التي استقت منها تلك الحرب ذخائرها،

اسابيع قليلة تفصل بين الضجة التي اثارها تقرير غولدستون حول جرائم الحرب الصهيونية في غزة وبين هذه الضجة التي تثيرها رسالة غولد سميث حول جرائم الحرب في العراق ، فهل ستنتهي زوبعة غولد سميث الى فنجان مثلما انتهت تقارير غولدستون الى ما انتهت اليه من صيغ داجنة؟

الارجح ان ما يقال عن الشرعية والحقيقة وكل ما له صلة بالمنطق والمواثيق الدولية هو مجرد طقوس عزاء ، وان كانت تأتي بعد فوات مواعيدها ، وقد كان رد حكومة نتنياهو على تقرير غولدستون بناء مئات المستوطنات في القدس ، والتوغل في تهويد معالمها وتشريد المقادسة ومصادرة او نسف بيوتهم ، وقد لا يكون رد الفعل البريطاني على اثارة عدم شرعية وقانونية الحرب على العراق من هذا الطراز ، بسبب الاختلاف البين بين الحالتين ، لهذا فالمجال مفتوح الان لمقايضات سياسية اصبحت حكومة براون ضليعة في شعابها ، خصوصا بعد التراجع او بمعنى ادق حالة الارتخاء التي اصابت مفاصل ادارة الرئيس اوباما بعد ان شعر الكثيرون من ضحايا سلفه الرئيس بوش بانه خيب ظنهم ، ولم يكن العطار الذي اصلح ما افسدت الادارة التي ورث عنها كل هذا العبء،

بين غولد سميث وغولدستون قرابة تتجاوز اللغة ، واسماء المهن المتعلقة بالذهب وصياغته في بريطانيا ، فهما يفتضحان كل بطريقته حربا ذات اقنعة ديمقراطية وذرائع انسانية لكنها في الحقيقة مجرد غزو وبحث عن غنائم على حساب شعوب طالما نظر اليها على انها مجرد حارس امين لثرواتها ، وليست المالك الشرعي لهذه الثروات،

والسؤال الان هو ما الذي يمكن استدراكه من الاثار الكارثية لحرب مرّ على اندلاعها سنوات ست ، لم تكن سنوات طباقا الا بمقياس واحد هو مقياس الفوضى المدمرة لا الخلاقة ، بحيث لم يبق طفل او شجرة او حيوان او قطرة ماء لم تنل تلك الحرب من حاضرهم ومستقبلهم.

فالحروب التي يثبت بطلان ذرائعها ، ليست مجرد خطأ مطبعي ، او زلة لسان او كبوة دبابة لا حصان ، ان على من اقترفوا حربا من هذا النوع ان يتحملوا نتائجها ، اعتذارا وتعويضا وانسجاما الى تلك المساحة السوداء من التاريخ ، حيث يعود البطل المزعوم الى دوره الحقيقي ككومبارس وتابع في مسرحية هزلية ، واذا كان دون كيشوت الامريكي قد خرج من البيت الابيض كي يتفرغ لمداعبة كلبه ، فان الكرة النارية الان في ملعب المستر سانشوا او طوني بلير،،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور