لم يمر الاستفتاء السويسري حول منع بناء المساجد بسلام ، رغم ان الرهان كان على تصدير هذا الاستفتاء الملغوم على الفور الى سائر بلدان القارة الاوروبية ، واذا كان الحزب الراديكالي الذي قاد تلك الحملة نحو الاستفتاء يزعم بأنه يعبر عن سويسرا كلها ، فإن حزب الخضر سرعان ما تحفظ على هذه الحملة ، مثلما تحفظ عليها رجال دين ومثقفون داخل سويسرا وخارجها.

وما كتبه تيموثي آش في الغارديان مؤخرا حول هذا الخطأ السويسري الفادح يحمل نذيراً لبقية الدول الاوروبية اذا قامت باستنساخ هذا الخطأ ، لأنه سيتحول على الفور الى جملة من الخطايا وليس الى خطيئة واحدة.

وحسب ما ورد في مقالة تيموثي بالحرف الواحد فإن حرية العقيدة لا يمكن ان تنسجم مع الادعاء بأننا نحن المسيحيين واليهود لدينا كنائسنا ومعابدنا ولكنكم أيها المسلمون لا يصح أن يكون لكم مساجد والارجح ان الاستفتاء السويسري كان بالون اختبار اضافة الى ما انتهى اليه من موقف لا يخلو من تعصب ، ففي حال نجاحه يصبح قابلا للأوربة وربما للعولمة في المدى غير المنظور ، لكن منسوب ردود الأفعال حتى من دخل أوروبا كان أكبر من توقعات الحزب الراديكالي الذي قاد حملة الاستفتاء ، فالحرية لا تتجزأ ، خصوصاً اذا تعلقت بالمعتقدات وقد يكون لمثل هذه المجازفة السويسرية أعراض لا يمكن وصفها بالجانبية ، لأنها ستؤدي الى عكس ما تهدف اليه ، فالمسلمون أذنوا ذات جاهلية في الجرار قبل أن يجهروا بأعلى أصواتهم على أسطح البيوت ومن ثم من المآذن ، ان هناك من السويسريين من يحذرون من الاستمرار في هذه الحملات ، لأنها قد ترتد عليهم ، وينقلب السحر على السحرة ، خصوصاً بعد ان بدأ بعض الاسلاميين في الشرق والغرب على السواء يتساءلون عن امكانية ظهور دعوات لاستفتاءات معاكسة ومضادة ، فهذا باب اذا فتح سوف يتعذر اغلاقه ، وستعود البشرية مجدداً الى حروب دينية باردة قد يتم تسخينها فيما بعد ، ومن أهم ما انتهت اليه مقالة تيموثي آش قوله علينا ان لا نسمح للغبار الطوطمي المتصاعد حول المساجد والحجاب أن يحجب المعارك الاخرى الحقيقية ، والسؤال الأكثر تداولاً اليوم حول ذلك الخطأ الذي اقترفته سويسرا بحيث فقدت ساعتها التقليدية دقتها وبدأت عقاربها تدور الى الوراء ، هو الى أين سوف يمضي البشر في هذه الألفية الثالثة؟ اذا كانوا قد تنكروا لشعارات طلبوا وزمروا لها ، وهل كان الكلام عن الحريات والتعايش الانساني مجرد ثرثرة غير قابلة للترجمة أو الصرف؟

ان الغرب لا يزال رهينة تلك المرجعيات الاستشراقية التي استوطنت الوجدان والذاكرة والستون ألف كتاب التي صدرت في المجال الاستشراقي خلال أربعة قرون لم تكن سطوراً على الماء أو حبراً تبخر وانتهى الأمر ، انها شكلت وصاغت وعياً زائفاً حول الآخر ، وما كتب منذ أطروحات ارنست رينان حتى هجائيات برنارد لويس للعرب والاسلام هو المسؤول عن هذا الاستفتاء وما قد يعقبه من مواقف متعصبة.

ان خطأ سويسرا غير قابل للتصدير بلا مصدات وعوائق ، ما دام الغرب متجانساً في مواقفه من العقائد والحريات وحقوق الآخرين في التعبير عن أنفسهم.

اما أخطر ما تدشنه مثل هذه الحملات فهو دفع الآخرين الى استدعاء احتياطياتهم كلها للذود عن عقائدهم ، فالمواقف تأتي بما يماثلها وأحياناً تكون ردود الافعال أقسى من الأفعال ، لأن الامر يتجاوز الفيزياء الطبيعية الى فيزياء التاريخ،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور