كان الكاتب اليهودي أفي شلايم اول من اطلق على المشروع الصهيوني الذي تبنّى انشاء الدولة العبرية اسم «الجدار الحديدي» ، فالغيتو الذي عاشه اليهود في الدياسبورا ترجمه المشروع الصهيوني الى غيتو من طراز اخر ، ما دام الانعزال هو ذاته ، رغم تبدل تجلياته وصيغه ، ولم يكن الجدار العنصري سوى واحدة من تلك الصيغ ، رغم اننا نعيش في زمن تتساقط فيه الجدران ، وان كان لكل جدار حكاية ، فجدار برلين الذي لم يتبق منه سوى شاهد رمزي لم يكن من حجر واسمنت فقط ، بل تحول خلال عدة عقود الى جدار ذهني ما دام الفصل قد كان بين ثقافتين وايديولوجيتين الى الحد الذي دفع باحثا المانيا الى القول بان اللغة الالمانية اوشكت ان تنشطر الى لغتين.. وسور الصين ايضا ليس من حجر فقط فهو بمرور الزمن عزل الصين عن العالم بحيث لم يكن لدى امبراطوريتهم اية دائرة تعنى بشؤون الخارجية ، وحين طلب هنري كسنجر النصح من اندريه مالرو وزير ثقافة فرنسا في زمن ديغول والروائي والمؤرخ الغني بمعرفته بالصين ، اجابه مالرو ان فهم هذه البلاد يحتاج من امريكا الى قرن على الاقل.
هكذا اذن تصبح مفارقة عصرنا.. جدران تسقط واخرى تنهض ، لكنها بل سقوف ، والجدار كمفهوم مادي ورمزي هو للوقاية او الحماية من اية عوامل خارجية ، لكنه ايضا سجن لمن يشيده حول نفسه.
لهذا كان تساقط الجدران تباعا تعبيرا عن حالة من الانعتاق الكوني ، واعترافا بان الانسان لا يستطيع ان يعيش العمر كله داخل شرنقته ، والتاريخ لا يعترف بالجدران لانه يخترقها اولا ، ولأنها لا تقوى على صد جرّافاته الثقيلة ، واذا كان السجن هو في العمق جدران تحول دون الحركة والخروج من المدار المغلق ، بأن هناك سجونا وزنازين خانقة بلا جدران يحملها بعض البشر داخل نفوسهم فهم السجان والسجين معا ، واحيانا القاتل والقتيل ، فالامر متعلق بمفاهيم ورؤى للعالم والتاريخ والحياة برمتها.
وثمة سجناء ما ان يطلق سراحهم حتى يعود اليهم الحنين للعودة الى زنازينهم الضيقة لأنهم نسوا الهواء الطلق ، ولم يعودوا قادرين على استخدام حرية تحولت الى عبء.
لقد ثبت بالبراهين الحية ان فلسفة الجدران لا تجدي ، لان الابواب هي من صميم الجدران ومن صلبها ، وما من باب بلا جدران الا اذا كان مجرد قنطرة بلا معنى نصبت في ساحة ، واللجوء الى بناء الجدران هو بمثابة اقرار بالفشل ، وبأن كل الوسائل البشرية فقدت صلاحيتها وفاعليتها ، وهذا بعكس ما يجري في عالمنا من تيارات التغيير لأن الانسان بفطرته ونوازعه عابر لكل الجدران والاسوار والحدود.
وكان الشاعر الراحل محمد الماغوط قد كتب قصيدة بعنوان اطلقه فيما بعد على ديوانه ، هو غرفة بملايين الجدران ، ورغم مرارة السخرية في هذا العنوان الا انه يرتكز الى اسس واقعية في عالمنا العجيب ، وثمة بالفعل غرف لها ملايين الجدران غير المرئية لكن سرعان ما يرتطم بها المرء اذا حاول الفرار.
وبالمقابل ، ثمة جدران لا معنى لها ، فهي اشبه بخطوط مرسومة بالفحم او الطباشير حتى لو كانت بعلو سور برلين وطول سور الصين.
ان كل الجدران تصبح مربعات ومستطيلات في الهواء اذا كانت بلا سقوف ، ومن الاجدى للبشر ان يبحثوا عن الجدران الوهمية داخل نفوسهم،
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور