أخطأ مرتين من لم يعرف بعد بأن الوحدة العربية قد تحققت بما هو أبعد من نشيد بلاد العرب أوطاني ، وعليه ان يعتذر فوراً الى اليمنات والعراقات والفلسطينات التي أصبحت بعدد الطوائف والمذاهب والأحزاب.

الخطأ الأول هو عدم قراءة التقارير الاقليمية والدولية عن أحوال العرب المعاصرين مكاناً والمعصورين زماناً ، وعن المعجزة التي حذفت الفارق بين التنمية والأنيميا ، والخطأ الثاني أنه لم يرصد بما يكفي حراك الاعلام العربي خصوصاً وهو يحتفل بالاستقلالات والسيادات والانتصارات التي يحسده على أقل من نصفها العالم بأسره..

تقارير التنمية والأنيميات على اختلاف الدورات الدموية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية تؤكد أن العالم العربي اتحدّ منذ زمن ونحن آخر من يعلم ، وتحققت هذه الوحدة في عودة الأمية بكامل عافيتها العثمانية الى مجتمعات كانت قاب دفترين وطبشورة من وداعها.

وتحققت أيضاً من خلال البطالة والمديونيات والارتهانات الاقتصادية والسياسية ، فما لم تفلح الثروة في تحقيقه حققه الفقر ، وما أخفقت فيه الثورات تحقق من خلال الاعتذار عنها ، وعودة الوعي الى من طبلوا وزمروا لها غداة اندلاعها ثم كانوا أول الباحثين عن حصة من بقايا ميراثها.. كان العرب قبلاً يحلمون بوطن عربي واحد وعندما أصبح لديهم آلاف الجامعات وملايين الأغاني التي تمجد الاستقلال أصبحوا يحلمون بأن يعود اليمن واحداً وفلسطين بضفتها وقطاعها واحدة والعراق بشيعته وسنته وأكراده وما علم أو جهل من اثنياته واحداً..

أين كنا وأين أصبحنا؟ فلو أن كل عجائز الكون تفرغن للدعاء علينا لما انتهى الحال ، الى ما هو عليه ، وما كنا نسمعه من خطباء مساجدنا ونحن أطفال عن اليهود بدءاً من اللهم فرق شملهم ، تحقق لكن من الجهة المضادة ، اعلام عربي واحد تختلف لهجاته وأغانيه وتقاويمه وحجوم طبوله.. لكنه واحد ما تسمعه في أقصى الشمال تسمعه حرفياً وبلا أي تصرف أو اجتهادات في أقصى الجنوب.. فالجميع كما يقال قرأوا على شيخ واحد ، لكنه ليس ابن سينا بالتأكيد ولا ابن اياس أو ابن الأثير أو أي من الأبناء الذين سطروا أسفار تاريخنا بدموعهم ، وهم يرون ما لا يرى السائرون نياماً ، أو القابعون في الكهوف ، تبدلت عملات ورايات وتضاريس وأفكار ودالت دول وهم لا يعلمون،

كل ما تحتاج اليه هذه الوحدة الكاريكاتورية هو يوم من العام ، يحدد للاحتفالات ، بحيث تطالب كل قرية بسيادتها وكل حارة بثقافتها ومهرجاناتها وكل أسرة باستقالتها من أمة فقدت شدتها فوق الميم.. فتحولت الى (أمة)،

ما كان منشوداً للوحدة من الماء الى الماء تحقق ، لكن بين الدمع والدمع ، وما كان موعظة الأسلاف الخالدين تحول الى عصيان جاهلي ، بكل ما لديه من غبراوات ودواحس وبسوسات.

ان سايكس وبيكو لم يشطرا هذه البرتقالة الى حصص بحجم بذورها ، والاستعمار بكل مهاراته واستراتيجياته وتمدده الأخطبوطي لم ينجح في ما استحق عليه العرب جائزة فريدة تفوق نوبل بعشرات الأضعاف ، فهم حققوا براءة اختراع نادرة ، وقلبوا أسطورة ميداس الذي كان يلامس التراب فيحوله الى ذهب ، بحيث أصبحوا يلامسون الذهب والماس فيحولوه الى رمال،،

الوحدة تحققت لكن النبأ لم يصل بعد،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور