تجاوز السبعين ويدخن ثمانين سيجارة في اليوم ويعاني من خمسة أمراض أسلمها البروستات ، ويعمل لدنياه كما لو أنه يعيش أبداً. أما الغد الذي سيموت فيه فهو خارج المدار والتقاويم ، وبالرغم من ذلك يشهد زوراً. ويتحالف مع السكين ضد عنق الطفل ، ومع الأفعى ضد العصفور واذا طلب منه أن يشهد بأنه رأى الشمس تشرق من لندن أو نيويورك يشهد دون أن يرف له جفن.
هذا الكائن ليس اسماً لشخص واحد ، انه الآن ظاهرة قومية بامتياز ، قد يكون جنرالاً متقاعداً أو رجل أعمال أو مجرد شخص تصور بأنه عصامي ، وان الفهلوة هي اختصرت له الطريق الى الشاطىء الذي يقف عليه ويتوهم بأنه آمن ، رغم ان أسماك القرش تشحذ أسنانها بانتظار غرقه المحتم لحظة أزوف الطوفان،
كان برنارد شو يقول على طريقته الساخرة بأن عمر الانسان لا يستحق منا كل هذه التنازلات ، فلو كان متوسط أعمارنا قرنين أو ثلاثة لاستحق الأمر منا أن نكذب ونشهد الزور.. لكن بعض السلاحف تعيش أكثر منا ، وحين نصل الى ما بعد السبعين نشتهي لو أننا نستطيع قضم تفاحة،
كيف نصدق أن من أصبح قاب تابوتين أو أدنى من حفرته يكذب ليكسب ، وينحاز الى الغراب على حساب الحمامة؟
ويبدو أن هناك أكثر من سن رشد واحد في حياة الانسان ، انه ليس البلوغ بالمعنى العضوي فقط ، بل هو الولادة العسيرة الثانية التي تكون قابلتها الوعي ومخاضها العسير الصراع مع النفس الأمارة بالسوء.
ثمة بشر يعيشون قرناً ولا يصلون الى سن الرشد بمعناه العميق ، لذلك يموتون مخدوعين ، ولا سبيل للاستدراك أو حتى للاعتذار..
ان العربي الذي تجاوز عمره الخمسين شهد ما لم يشهده أجداده العشر خلال سنوات عمره.. التي ولد فيها تحت غارة جوية ، وتعلم المشي في مخيم أو بيت قروي تحاصره الأفاعي والعقارب والغدران التي تغنى بها الشعراء الرومانسيون رغم أنها مستنقعات صغيرة تطفو عليها الطحالب.
شهد هذا العربي خمس حروب علنية وخمسين حرباً سرية ، وست حروب أهلية باردة ، وأربع حروب أهلية أتت على الأخضر واليابس ، وشردت ثلث السكان على الأقل في خمسة أوطان عربية على الأقل..
وشهد ذبح الاطفال الذين يلثغون بلغته وسمع أمهات يرددن حسبي الله ونعم الوكيل ، لكن كلمة الوكيل قد تصرفه الى الأجهزة الكهربائية ومختلف أشكال الوكالات وشهد أيضاً بلاداً تسقط بكامل دولها ، وأعلاماً تنكس وأخرى تنهض مكانها.
وشهد ايضاً غرباء يجازفون بحياتهم لاغاثة أبنائه أو أبناء أخيه وهو يجلس تحت سماء دافئة يتأمل أصابع قدميه ، أو يحاول عبثاً طرد ذبابة تبيض على أنفه أو شاربه،
شهد كل هذا ولم يشهد ، وبلغ السبعين وهو يسعل وينافق ويوجعه فمه اذا قال لا.. وتحول اسمه الى نعم..
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور