ذكرنا في اكثر من مناسبة ان الفرق بين الابناء والورثة هو ذاته الفارق الخالد بين الاصول والاشباه ، لكن لدينا الان مناسبة اخرى تستدعي السكوت عنه طويلا في علاقة الاستثمار غير العفيفة على الاطلاق بين احياء لم يؤمر بهم عزرائيل بعد وبين موتى من الاعزاء الذين لم يكونوا من العابرين على هذه الارض ، ولم يكن الصديق الباقي محمود درويش هو الوحيد الذي استثمر الاحياء حتى لمن كان يعتبرهم اصدقاء من طرف واحد موته ، فخاضوا حربهم غير النظيفة مع الدود ، ومنهم من اعاد انتاج الغائب او اعاد انتاج علاقته معه ، ومنهم من سيظل يستفزنا الى ان نسمي الاشياء باسمائها ونروي حكايات لها شهود عيان احياء تدحض ما يقال ، لان من تدركه المنية لا يعود قادرا على الدفاع عن نفسه ، وقد حدث مرارا ، ان الف الكتب وكتب المقالات اناس عن زعماء وادباء ومشاهير حدث ان شربوا القهوة ذات يوم وبمحض المصادفة في حضرتهم..

كتب عن عبدالناصر وادعى صداقته منذ كان ضابطا في الفالوجا عدد كبير من الذين عاش الرجل ومات وهو لا يعرفهم ، وقبل ايام فقط سمعنا ان ارملة السادات السيدة جيهان علقت على كتاب صدر حديثا يقول مؤلفه انه كان اقرب اصدقاء السادات ، بان هذا الرجل لم يدخل الى بيتهم ، ولم تذكر انه التقى زوجها مرة واحدة.. فنحن نعيش في زمن تجاوز الواقع فيه الخيال ، واصبح من حق كل كائن ان يقول ما يعنّ له ، فالكوابح في اجازة قد تطول والروادع الذاتية غائبة.

لكن المثل القائل ، ما من شخص اكذب ممن تغرب او مات جيله لا يصدق على الكثيرين ، ومنهم الصديق محمود ، فالجيل لم يمت كله ، والغربة لم تكن كاملة ، والمكتوب يكذب الشفوي وادعاء الصلة مع الموتى هو انكى انواع النميمة،

ان من يخفقون في تحقيق الذات ، يتربصون باية مناسبة او حتى كارثة كي يعوضوا ما فاتهم ، والمشاهير سواء كانوا ساسة ام شعراء هم بشر يسعون على الارض ، ويشترون حوائجهم ، لكن ليس من المعقول ان يؤلف بائع الشراب او المقانق الذي كان يشتري منه ارنست همنجوي كتابا عنه ، او يكتب مقالا رثائيا منقعا في دموع التماسيح من تقاضى ذات يوم من احد والمشاهير اجرا عن فعل انجزه.. وقدر تعلق هذا كله بمحمود درويش فقد كانوا ينتظرون لحظة غروبه ، لهذا كان يقول دائما: لن يشهدوا خريفي ، ولن يشهدوه بالفعل ، لان الرجل وثب برشاقة من قصيدته الى سريره الاخير ولم يتح لاحد ان ينظر اليه باشفاق ، وهو الذي حول اللاجئ من موقع الاشفاق الى مرتفعات الحسد ومن حليب وكالة الغوث وطباشيرها التي تحولت الى سحابات من الغبار الى حبر منقوش في قلوب الناس حتى القيامة،

ان استثمار الموتى بدأ يتحول في عالمنا العربي الى نمط انتاج لا ينافسه الا نهم الدود وهو يمتص نخاع النائمين العاجزين عن الدفاع عن اجسادهم ، وان كان لديهم من الدفاعات الباسلة والابدية عن نصوصهم وارواحهم ما يبقى ولا تبلغه عوامل التعرية ، سواء جاءت من الجغرافيا الامية او التاريخ الغاشم.

وتصل المفارقة ذروتها الكوميدية والسوداء عندما نقرأ مديحا لميت كان يُهجى حيا وسرا ، ولم يفت محمود ذلك عندما قال علانية ان هناك من يحبونه ميتا.

لقد خيب الرجل ظنونهم حتى لو فشل في تخييب ظن القدر كما قال.. ذلك ببساطة لانه لم يمت الا بمقياس الدود ومنافسيهم،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور