عندما كانت أفلام السينما بالأبيض والأسود وكذلك الصور الفوتوغرافية ، كانت الحياة مفعمة بالالوان ، وكان لديهم أعناق قادرة على النظر الى أعلى لمشاهدة قوس قزح ، ومنهم من كانت هوايته وهو مستلق على سطح البيت عدّ النجوم ، لكن ما ان اصبح كل ما له علاقة بالتكنولوجيا ملوناً حتى أصبح اللون الرمادي هو المقرر ، فالحياة أصبحت عبئاً على الأحياء ، وصار الانسان يعاني من عدة اختناقات كأنه يتنفس من ثقب ابرة ، وما كان متاحاً كالماء والهواء أصبح بعيد المنال ، هكذا تبادلت التكنولوجيا والحياة الأدوار ، وكأن الثياب المزركشة الخاطفة للأبصار تخفي تحتها جلوداً متقرحة وجرباً تمدد من الجلد الى الروح،
قد تبدو هذه التداعيات هجاء لما آل اليه الحال في عالم يزعم بأنه أحرق المراحل وتقدم خلال نصف قرن ما يعادل بالمقاييس التقليدية عدة قرون ، والحقيقة ان المسألة تتخطى هجاء الحاضر ويدمع الماضي بهاجس النوستالجيا التي تستبد بالناس عندما يشحّ الاكسجين في واقعهم ويرتهنون لحياة الضرورة لا للحرية ، وثمة مثال قدمه شاعر وفنان فرنسي قد يختصر المسألة كلها ، فقد وجد شقته الصغيرة تعج بالأدوات والآلات ، بحيث لم يعد له مكان ينام فيه ، أو مساحة تتيح له أن يتثاءب ويمط ذراعيه ، فأفرغ الشقة على الفور من كل ما فيها حتى الجدران خلع مساميرها التي تتدلى منها صور ولوحات ، وقرر أن يعود الى صفر الخليقة ، ويجلس مثلما جلس جده ديكارت ذات يوم تحت عراء الوجود ليكتشف انه موجود فقط لأنه يفكر..
هذا الاحتجاج على عصر يزعم التقدم واجتراح المعجزات مغزاه الأخلاقي لا ينفصل عن مغزاه الفكري ، وهو التعبير عن فقدان التوازن في حياتنا المعاصرة ، فنحن عبيد لما اخترعنا ، ومجرد فئران بيضاء لمختبرات الاعلان المتلفز الذي يعتمد على نظرية بافلوف الشهيرة ، وهي رنين الجرس المقترن بلعاب الكلب ، لأنه اعتاد ان يحصل على الطعام لمجرد ان يدق الجرس،
وحياتنا التي تزهو فيها التكنولوجيا بالألوان اطفأت الشمس ، بل حولتها الى مصباح باهت الضوء كما فعل بيكاسو في احدى لوحاته فهي حياة بالأبيض والأبيض فقط اذا تذكرنا عدد الأكفان التي تغطي أجساد ملايين الضحايا ، أو ما كان يسمى الحبر الأبيض في رسائل الجواسيس..
وهي ايضاً بالاسود والأسود اذا تذكرنا عدد النساء اللواتي يرتدين ثياب الحداد ، فالموت أصبح بالجملة وان كان كل شيء آخر بالتقسيط ومنه الأوطان التي اخضعت للكسور العشرية وأنصاف الاستقلال وأرباع السيادة،
ان الأمر يشبه أحجية عصية على التفكيك والحل اذ كيف تحول المزيد من العلم الى مزيد من الفاقة والرعب؟ وكيف انتهى حاصل جمع الحريات حسب هذه الرياضيات الجديدة الى عبودية شاملة..؟
ما ان ننتهي من جولة في قراءة الأرقام الكارثية للمليار جائع وعشرات الملايين من أطفال الشوارع وأضعاف هذا الرقم من ضحايا المرور والحروب حتى نشعر بأن أسلافنا الموتى يسخرون منا في قبورهم فقد عاشوا ملء حياتهم وقاوموا بأدوات بدائية وحققوا أنفسهم وأوطانهم ، ولا أظن أن لدينا الآن ما نزهو به عليهم غير التضاريس القومية المرسومة بالأسود والأسود،
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور