رسخ الاعلام العربي بمختلف مدارسه ولهجاته خلال الخمسين عاما الماضية تقاليد من طراز يدعو الى تجاوز العجب لمعرفة السبب.
وبالمقابل كان على الشعوب المغلوبة على امرها ان تؤسس تقاليد افرزت خطابا مزدوجا فهي تبتكر اساليب الدفاع عن النفس ومنها اسلوب التظاهر بالقبول الذي قد يصل حد التصفيق ، لكنها تكرر على الدوام عبارة غاليليو الشهيرة عن دوران الارض رغم انها قد تقول عكس ذلك لكي تنجو ، فالناس ليسوا جميعا جوتارنو برنو الذي حولته محاكم التفتيش الى رماد ، وهذا ما يفسر التحولات المفاجئة للرأي العام في معظم بلدان العالم الثالث ، اذ سرعان ما يستدير الناس مئة وثمانين درجة ليعلنوا ما ابطنوا لمجرد ان يبصروا كوة في الجدار،
ان ظاهرة التضليل المتبادل يمارسها الطرفان ، القوي الذي يصطاد الضعفاء من كعب اخيلهم ومن نقاط ضعفهم ويمسكهم من ايديهم التي توجعهم كما يقول المثل العربي والضعيف الذي لا حول له ولا قوة. مما يضطره الى اختراع الحيلة بحثا عن النجاة ، سواء كانت هذه الحيل على طريقة الحرباء التي تبدل لونها او على طريقة النعامة التي تدفع اخيرا ثمن قصور الرؤية..
لكن الشعوب التي تخدع لبعض الوقت وهي على موعد محتم مع صحوة تعيد الحاجب الى موقعه فوق العين استلهمت من خالقها حكمة الامهال وعدم الاهمال ، لهذا ما من خديعة دامت حتى النهاية ، ولم يكن ذات يوم من حق من ضحك اولا ان يضحك حتى الابد، وغياب الشفافية عن هذه العلاقة الثنائية بين الرأي العام وصانعيه ومسوقيه سبب اساسي في اللجوء الى وسائل التضليل وارتداء طاقيات الاخفاء ، ولا ندري ما هو المكسب الذي يحققه طرفا المعادلة من هذه اللعبة المضجرة والتي فقد تسحرها وصلاحيتها منذ زمن طويل؟
وكان كاتب امريكي قد اصدر كتابا بعنوان المتلاعبون بالعقول رصد فيه هذا النمط من ثقافة الحفلات التنكرية التي تحجب الوجوه الحقيقية والخطاب الاصيل للبشر ، سواء كانوا اقوياء يستخدمون الاقنعة كالصيادين لاغواء الفريسة ، او ضعفاء يؤجلون ما استطاعوا العقاب ، ولو شاء باحث عربي ان يجمع الامثال العربية التي تعظ الانسان بالانحناء المؤقت والمراوغة والممالأة بحثا عن النجاح لحصل على مجلدات ، فالكفّ التي لا تلاطم المخرز والنوم على فراش يناسب طول القامة او قصرها والحيطان التي لها آذان وتقبيل الكلب من فمه لاخذ الحاجة منه ، والمشي بمحاذاة الجدران والانحناء للريح ، هي مجرد عينات من ثقافة انعدمت فيها المناعة ، ومن فلكلور اصابته الانيميا في مراحل الانحطاط ، لكن الماضي لا يسقط مع اوراق التقاديم ، انه يترسب ايضا ويمارس نفوذه حتى بعد زواله ، كما يحدث للكواكب المتلاشية التي يبقى الضوء القادم منها مسافرا نحو الارض لفترة طويلة.
لقد اضاع التضليل المتبادل بين المرسل والمرسل اليه الكثير من الوقت والجهد وثمة اصرار على مواصلة هذه الحفلة التنكرية.. بحيث لا ندري من يصهل ومن يموء او يفحّ في هذا الضجيج،،
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور