عندما سخر مايكل وايت من مشهد الرئيس بوش وهو يعلن نهاية العمليات العسكرية في العراق ، كان يرى أبعد مما يرى الجنرالات ووكلاؤهم ، لأن بعض الحروب لا تضع آخر الاوزار إلا بعد حسم الحرب بين منتصر ومهزوم ، واحتلال العراق لم يكن انتصارا لانه لم يكن خاتمة المطاف ، ومن قتلوا او انتحروا حتى الان من الجنود الامريكيين هم اكثر من مجرد حزمة شعر افسدت الحساء ، ولم يخطر ببال من تبادلوا الانخاب على حاملة طائرات ذات يوم ان كؤوسهم مترعة بالدم،

والعراق الذي اصبح على موعد شبه يومي مع اربعين الى مئة قتيل اضافة الى من يشردوا ليس الميدان المناسب للاعلان بان الحرب انتهت ، وما هذه العناقيد الحمراء من اللحم العراقي الا من نتاج ما سمي الفوضى الخلاقة ، فالعراق فتحت في كل زواياه أكياس الافاعي الهاجعة ، وادخل عنوة الى هذا الفصل من الجحيم ، الذي قدم حربا اقلية من طراز فريد ، فهي تارة باردة واخرى متفجرة ، اما سؤال الاستقلال فهو اشبه بكرة تتقاذفها البساطير ، وان كان هناك من لا يرون من المشهد الكارثي غير ما يروق لهم ان يروه.

ان شعبا شرد ثلثه في كل بقاع الارض وفقد الملايين من ابنائه ومنهم اطفال ومدنيون لا حول لهم ولا قوة. يدرك الان ان الخديعة قد انتهت مدة صلاحيتها ان كانت لها اية صلاحية ، وما يحدث رغم وفرة الذرائع التي تخترعها التحليلات الموظفة لصالح الاحتلال هو من افراز الاحتلال ذاته ، لانه ليس حريصا لا على امن العراق ولا حريته ولا استقلاله لانه باختصار من دمر البلاد وشرد العباد ، وحول بلدا عريقا الى رهينة ، واذا صح ان تسمية كربلاء جاءت من تزاوج الكر مع البلاء ، فان بيت الداء الان هو امريكي بامتياز ، وما كان للمكبوت الاثني ان يندلع على هذا النحو الوحشي وبقوة الغرائز وحدها لولا ان الاحتلال وفر حاضنات نموذجية للعنف المتبادل بين العراقيين انفسهم ، وبذلك تتحقق له النجاة ، لكن هذا الرهان خسر مرارا وتكراره هو تكرار مع سبق الاصرار للاخطاء ذاتها ، التي لم يتردد بوش الابن ووزيرته رايس بالاعتراف بها ، سواء من خلال تصريحات مباشرة أو زلات لسان،

كم هو العدد المسموح ببقائه على قيد الحياة وقيد العراق معا كي تصل هذه الدراما الى نهايتها؟ وكم عراقا آخر سوف يخسر الأعراب كي يصحو من سباتهم السياسي ويتحسسوا الأرض الرخوة ودواماتها التي تبتلعهم وهم لا يدركون؟

لقد نجحت الميديا الملحقة بالأساطيل في تحويل خبر الموت العراقي الى نبأ يومي مألوف ، بحيث لا ينافس حتى النشرة الجوية ،

فالسرعة التي يتأقلم بها العرب مع الكوارث التي تحل بهم تفوق قدرة الحرباء على تغيير لونها وقدرة الفأر على مط رأسه بحيث يدخل من أصغر الشقوق ، ما دام الهاجس الوحيد هو هاجس البقاء والنجاة بالجلد حتى لو كان الثمن مستقبل أمة وتاريخ بأسره،

نعرف أن للعراق موعدا مع قيامة محتمة ، فهذا قدره منذ عانق التراجيديا بدءا من الاسطورة البابلية حتى مطلع الألفية الثالثة ، لكن ليس معنى ذلك أن يترك وحيدا ، وفريسة لكل طامع ، والعرب مهما حاولوا تبرئة الذات من دم العراق يبقى ندبة سوداء في الجبين ، وما لحق بأكثر من عشرين مليون عراقي من العقاب الجماعي يفتضح عصرا تقوده امبراطورية عمياء الى الهاوية..

لقد أرادوا منذ الصاروخ الأول اخراج العراق من العراق وتلك قصة فشلهم ،،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور